وذلك بسبب عدم تدبرهم، وإنما ظهر واشتهر وأصبح شرًا مستطيرًا ظهور الخوارج على أمة الإسلام، وقراءتهم للقرآن وعنايتهم بذلك، وإكثارهم من ذلك أكثر من غيرهم لأنهم لا يدركون معانيه ولا يتدبرون فيها؛ ولهذا ما من بدعة ظهرت في الأمة إلا وأصلها العجب، وأكثر الخوارج الذين يقرءون القرآن ويمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية أصولهم لا تعود إلى العرب، فلديهم إما عجمة ذاتية، أو عجمة موروثة، فيأخذون من القرآن ما يوافق أهواءهم، فخالفوا أمر الله جل وعلا في كثير من المواضع. قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: (قلت لأبي سعيد الخدري: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر في الحرورية شيئًا؟ فقال: سمعته يذكر قومًا يتعبدون، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصومه مع صومهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، أخذ سهمه فنظر في نصله فلم ير شيئًا، فنظر في رصافه فلم ير شيئًا، فنظر في قدحه فلم ير شيئًا، فنظر في القذذ فتمارى هل يرى شيئًا أم لا) ] .
ولهذا نقول: إن الإنسان ينبغي أن ينظر إلى الحق والدليل لا ينظر إلى ذات الإنسان من جهة عبادته، فلا أكثر تعبدًا من الرهبان ولا من الأحبار، فينقطعون حتى لا يتزوجون، ينقطعون للآلهة، ومع ذلك هم أضل الناس، فهي عاملة في الدنيا، ناصبة في نار جهنم، ولهذا نقول: لا يغتر الإنسان بما يظهر من ورع الإنسان وعبادته وصلاته ونحو ذلك، وإنما ينظر إلى مقامه في السنة، ولهذا الإمام أحمد عليه رحمة الله يقول في بشر كما ذكر القاضي ابن أبي يعلى في الطبقات قال: لا يغركم تنكيسه لرأسه، وإنما انظروا إلى مقامه من السنة. لا ينظر إلى تدين الإنسان وتعبده حتى ينظر إلى مقامه من الأمر والنهي وتعظيم الوحي.