وإنما قل ذكر الكلأ في النهي باعتبار استفاضة أمره, وصعوبة ومشقة منع الناس منه، وإنما الماء هو محصور ومحدود, فيستطيع الإنسان أن يمنعه لأنه يكون نبعًا قي موضع, أو يكون غديرًا يستطيع الإنسان أن يحوطه بنفسه وبغيره.
قال المصنف رحمه الله: [باب الشرب من الأودية ومقدار حبس الماء. حدثنا محمد بن رمح قال: أخبرنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن الزبير: (أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه، فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير! ثم أرسل الماء إلى جارك, فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا زبير! اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر, قال: فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك:(( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) )[النساء: 65] ).حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: حدثنا زكريا بن منظور بن ثعلبة بن أبي مالك قال: حدثني محمد بن عقبة بن أبي مالك عن عمه ثعلبة بن أبي مالك قال: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيل مهزور، الأعلى فوق الأسفل، يسقي الأعلى إلى الكعبين، ثم يرسل إلى من هو أسفل منه) ]. في هذا جواز أن يقضي القاضي بأدنى الحقين اجتهادًا تخفيفًا, وإذا رأى التشديد على أحد الخصمين فهذا مما لا حرج فيه، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قضى قضاءين وكلها حق، فقضى أولًا بناءً على التيسير, ثم شدّد رسول الله صلى الله عليه وسلم للمصلحة التي رآها في ذلك.