تأتيه الحمى فتهُزُه هزا عنيفا، وفي مرضِ موتِه مُرضَ مرضا عجيبا، سمعَ الآذان، سمع بلالاُ يطلقُ التكبيرَ من على المنارة، لكن لا يسمعُ بلالًا إلا أهلُ القلوبُ الحية.
قال أجعلوا لي ماءً لأغتسل وأصلي بالناس.
قالوا يا رسولَ الله إنك مريض.
قال أسمعُ الأذان واصلي في البيت.
فوضعوا له قربةً فأغتسل، فلما قام ليذهب إلى المسجدِ أغمي عليه، فجعلوا له ماءً فأغتسل أخرى فأغمي عليه، فجعلوا له الماء ثالثةً فأغمي عليه، ورابعةً وخامسة، وفي الأخيرِ لفظ أنفاسَه وقال ودمعُه تهارقُ على خدِه لأنَه يريدُ الصلاة: وجعلت قرةُ عيني في الصلاة.
كان يقول: أرحنا بها يا بلال، أرحنا بها من همومِ الدنيا، وتعبِ الدنيا، ومشاكلِ الدنيا، ومخالفةِ الدنيا.
وقل لبلالِ العزمِ من قلبِ صادقٍ ... أرحنا بها إن كنت حقا مصليا
توضأ بماء التوبةِ اليومَ مخلصا به ترقى أبوابَ الجنانِ الثمانيا
قال أمروا أبا بكرٍ فليصلي بالناس، فذهب بلالُ إلى أبا بكرٍ وأخبرَه أن يصلي بالناسِ فبكى أبو بكرٍ وقال اللهُ المستعان، إن للهِ وإنا إليه راجعون.
فصبر (صلى اللهُ عليه وسلم) على هذه الأحداث: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
فيا أيها المسلمونَ، يا أصحابَ وأتباع وتلاميذ الرسولِ (صلى الله عليه وسلم) ، من أصيبَ منكم بمصيبة فليتعزى بالرسول عليه الصلاةُ والسلام.
إن هذا دينُ العظماء، إنه دينُ العقلاء، إنه دينُ الشرفاء، أهلُ المبادئِ الأصيلة، والأهدافِ الجليلة، والأخلاقِ الجميلة.
يموتُ أبنُكَ: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
تمرض زوجتُك: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
تذهب عيناك، أو يصمُ سمعُك: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
تصابُ بمرضٍ أو حادثٍ: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
يزلزلُ بيتُك أو يدمرُ عقارُك: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
كلُ مصيبةٍ تهون إلا مصيبةُ الدين، كلُ مصيبةٍ سهلةٍ إلا يوم يتخلى اللهُ عنكَ فتصبحُ بعيدا عن الله، كلُ شيءٍ سهلُ إلا يومَ يصبحُ الإنسانُ فاجرا متنكرا للمسجد وللمصحفِ ولذكرِ الله، كلُ شيءٍ سهلُ إلا هذا الدين أن لا يفوتُك من قلبِك.
عباد الله، وصلوا وسلموا على من أمرَكم اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
وقد قال عليه الصلاةُ والسلام: من صلى علي صلاةً واحده، صلى اللهُ عليه بها عشرا.
اللهم صلي على عبدك وحبيبِك محمد، وأعرض عليه صلاتَنا وسلامَنا في هذه الساعةِ المباركة، يا رب العالمين.
وأرضى اللهم عن أصحابِ الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمِك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أجمع كلمةَ المسلمين، اللهم وحد صفوفَهم، اللهم خذ بأيدِهم إلى ما تحبُه وترضاه يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتَنا وولاةَ أمورِنا، اللهم وفقِهم لما تحبُه وترضاه، اللهم أخرجهُم من الظلماتِ إلى النور، اللهم أهدِهم سبلَ السلام.
اللهم بعلمِك الغيب، وبقدرتِك على الخلق، أحيينا ما كانت الحياةُ خيرا لنا،وتوفَنا إذا كانت الوفاةُ خيرا لنا.
اللهم إنا نسألكَ خشيتَك في الغيبِ والشهادة، ونسألُكَ كلمةَ الحقِ في الغضبِ والرضاء، ونسألُك القصدَ في الغنى والفقر، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ والشوقَ إلى لقاءِك في غيرِ ضراءَ مضرة، ولا فتنةً مظلة، برحمتِك يا أرحم الراحمين.
اللهم أنصر كل من جاهدَ لإعلاءِ كلمتِك، ولرفعِ رايتكِ، في برِكَ وبحرِك يا رب العالمين.
ربنا إننا ظلمنا أنفسَنا، وإن لم تغفر لنا وترجمنا لنكونن من الخاسرين
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المر سلين
صبر الرسول صلى الله عليه وسلم
الصبر شعار المرسلين كما دل عليه قول الله تعالى: ( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا … ) (الأنعام/34) ، وقد رغّب الشرع الحنيف في الصبر وحث عليه ، وأثنى على أهله .
ولقد كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أكثر رسل الله دعوة وبلاغًا وجهادًا ، لذا كان أكثرهم إيذاءً وابتلاءً ، منذ بزوغ فجر دعوته إلى أن لحق بربه جل وعلا .
فقد لقى الأذى بمكة من قريش وغيرهم ، وبعد أن هاجر إلى المدينة لقي من المشركين والمنافقين واليهود أذىً شديدًا ، وما كانت تزيده هذه الشدائد والمحن إلا إصرارًا وثباتًا ، بما منَّ الله تعالى عليه من تثبيت قلبه ، وما آتاه الله عز وجل من الصبر ، وفيما يلي نستعرض نماذج من صبره صلى الله عليه وسلم .
صبره في طريق الدعوة إلى الله:
منذ بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته إلى الله ، واجهه المشركون بشتى أنواع الأذى ، من رميه بالسحر والكهانة والشعر والجنون ، إلى إيذائه جسديًا فرموه بالحجارة وشقوا وجهه ، ودبروا قتله ومن ذلك: