1-ما أخرجه البخاري رحمه الله تعالى من حديث عروة بن الزبير رحمه الله قال: سألت ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فقلت: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط ـ لعنه الله ـ فوضع ثوبه في عنقه ، فخنقه خنقًا شديدًا فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله ) (غافر/28) .
2-وأخرج البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال:"بينا النبي صلى الله عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش جاء عقبة بن أبي معيط بسلى جزور فقذفه على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرفع رأسه ، فجاءت فاطمة عليها السلام فأخذته من ظهره ، ودعت على من صنع ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ اللهم عليك الملأ من قريش أبا جهل بن هشام ، وعتبة من ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف ] أو [ أبي بن خلف ] ـ شك الراوي ـ قال الراوي: فرأيتهم قتلوا يوم بدر ، فألقوا في بئر غير أمية أو أبي تقطعت أوصاله فلم يلق في البئر".
هكذا عانى صلى الله عليه وسلم من قومه الشدة والأذى وهو صابر محتسب ، فلما أيس من نجاح دعوته في قومه مع ما هم عليه من العداء والإيذاء ،طمع في أن ينصره قوم آخرون من غير قومه ، فعمد إلى الطائف رجاء أن يُؤْوهُ وينصروه على قومه ويمنعوه منهم ، لأنهم:"كانوا أخواله ولم يكن بينه وبينهم عداوة"إلا أنهم ردوا عليه أقبح رد وأشده .
1-فقد أخرج الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال صلى الله عليه وسلم:[ لقد لقيت من قومك ما لقيت ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال: فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال ، فسلم عليّ ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت ؟ ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله تعالى وحده لا يشرك به شيئًا" (البخاري ومسلم ) ."
وهكذا واجه النبي هذا الإيذاء والجهل بالصبر الجميل ، حتى أنه أبى أن يدعو عليهم .
وقد انتهت هذه المرحلة بمحاولة المشركين قتله صلى الله عليه وسلم كما أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) (الأنفال/30) .
ولما هاجر صلوات الله وسلامه عليه إلى المدينة لم يقل صبره عما كان عليه أمره في مكة ، فلئن كان في مكة صابرًا على المشركين فحسب ، فإنه في المدينة قد صبر على مَنْ هم أكثر أذية وعددًا وطوائف ، إنهم المنافقون ، واليهود والمشركون ، فقد كانت كل واحدة من هذه الطوائف تكيد للنبي صلى الله عليه وسلم ودعوته كيدًا وتصطنع له أذية لا تألو جهدًا في ذلك ،وهو يتلقى ذلك كله بقلب راسخ بالإيمان واثق بنصر الله ، ورباطة جأش، لا يتزعزع من حوادث الأعداء وكيد الألداء .
صبره صلى الله عليه وسلم على المنافقين في المدينة:
أما المنافقون فقد كان الصبر عليهم مُرًّا ، إذ لا حيلة له غير الصبر ؛ لأنهم يزعمون الإسلام ، ويظهرون الولاء لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وهم في الحقيقة يبطنون الكفر ويتربصون بالنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الدوائر ، وهم عيون للأعداء الخارجيين يتتبعون عورات المسلمين ، ويخططون للقضاء عليهم ، ولكن ذلك في السر ، إذ لا يعلم ذلك أحد إلا الله تعالى ثم رسوله صلى الله عليه وسلم بإعلام الله تعالى له .
ولطالما كان المسلمون يكتشفون رائحة النفاق من أحدهم ، فيستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في قتله فيقول عليه الصلاة والسلام: [ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ] (رواه البخاري ومسلم ) .. إن ذلك الصبر لا متنفس فيه ، وهو أشد ما يكون على المرء ، وسأذكر هنا قصة واحدة تبين مدى صبره صلى الله عليه وسلم على أذى المنافقين: