فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 3657

فقد أخرج الإمامان البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارًا عليه إكَاف ، تحته قطيفة فدَكِيَّة ،وأردف وراءه أسامة ، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج ، وذلك قبل وقعة بدر ، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين وعبدة الأوثان واليهود ، فيهم عبد الله بن أبي ، وفي المجلس عبد الله بن رواحة رضي الله عنه قال: فلما غشيت المجلس عجاجة الدَّابة ، خمَّر عبد الله بن أبي أنفه ثم قال: لا تغبِّروا علينا ،فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن ، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء ـ يريد النبي صلى الله عليه وسلم ـ لا أحسن من هذا ، إن كان ما تقول حقًا فلا تؤذنا في مجالسنا ، وارجع إلى رحلك ، فمن جاءك منا فاقصص عليه ، فقال عبد الله بن رواحة: اغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك ، قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى همّوا أن يتواثبوا ، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم ، ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة ، فقال: أي سعد ، ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب ـ يريد عبد الله بن أبي ـ قال كذا وكذا ؟ فقال سعد ـ رضي الله عنه ـ: اعف عنه يا رسول الله واصفح ، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك ، ولقد اصطلح أهل هذه البُحيرة أن يتوجوه فيعصِّبوه بالعصابة ـ أي يجعلوه ملكًا عليهم ـ فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك ،فلذلك فعل به ما رأيت ، قال: فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم ) (رواه البخاري وسلم ) .

فانظر أي صبر يقدر على مثله أحد بيده القدرة على عقاب مثل هذا القائل غير النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ يتجرأ هذا الجلف على الانتقاص من النبي صلى الله عليه وسلم وهو ذو الجناب العظيم ، ويصده عن دعوته ، وهو المأمور بالبلاغ المبين .

صبره صلى الله عليه وسلم على اليهود:

وأما اليهود فقد كان صبر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم شديدًا ، إذ أنهم أهل خديعة ومكر وحقد دفين ، فإنهم لم يكتفوا بكتم صفاته التي يجدونها في التوراة ، والتي يعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم ، والتي لو بينوها للناس لدخلوا في دين الله أفواجًا من أول دعوته صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الكل كان يسلم لليهود بأنهم أهل كتاب ، وأن لهم علمًا برسل الله ، فلو أنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه من بيان صفاته صلى الله عليه وسلم للناس ، وأشهروا ذلك في المجتمعات ، لما تردد أحد في الاستجابة له صلى الله عليه وسلم .

بيد أنهم غيروا صفاته عليه الصلاة والسلام ، وجحدوا نبوته ، وأغروا به المشركين وقالوا لهم:"إنكم أهدى سبيلًا من محمد وأصحابه"مما كان له أثر عائق في صد الناس عن دين الله تعالى ، ومشجع لهم على عداوة المؤمنين ، كل ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم صابر على معاملتهم وعلى خيانتهم وما يتوقعه من غدرهم حتى حكم الله بينه وبينهم ، وذلك في يوم قريظة حين حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه بحكم الله تعالى بأن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذراريهم ، لما نقضوا العهد الذي بينهم وبينه ، وظاهروا المشركين يوم الأحزاب على قتاله صلى الله عليه وسلم ، وأجلى من أجلّى منهم من بني قينقاع وبني قريظة ، ثم فتح خيبر فأبقى أهلها إلى حين .

صبره صلى الله عليه وسلم على المشركين في العهد المدني:

وأما صبره عليه الصلاة والسلام على المشركين في العهد المدني فلم يكن كصبره عليهم في العهد المكي ، فإن صبره عليهم في هذا العهد كان صبرًا في ميادين القتال والمنازلة ، صبرًا على كلوم الأسنة والرماح والسيوف التي ينفد معها صبر أولي العزم والقوة .

لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينفد صبره ، ولم ينثن عزمه ، وهو يخوض معركة بعد أخرى ، ويجهز جيشًا تلو آخر ، حتى آتاه الله الفتح المبين والعز والتمكين .

ولقد نال من ذلك أذىً كبيرًا ، حيث كسرت رباعيته ، وشج وجهه الشريف في غزوة أحد وأثخنته الجراح ـ بنفسي هو وأبي وأمي صلى الله عليه وسلم ـ وهو مع ذلك صابر محتسب ، لا يلوي ، ولا يولِّي الأدبار ، كما يفعل كبار الأبطال ، فلم يزد على أن قال: [ كيف يفلح قوم شجُوا نبيهم وكسروا رباعيته ، وهو يدعوهم إلى الله ] فلم يلبث أن أنزل الله عليه: ( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) (آل عمران/128) (رواه البخاري ومسلم ) .

يعاتبه الله على ذلك ، ومنه تعلم أن صبره عليه الصلاة والسلام كان مُرادًا لله تعالى لعظم قدره عنده ، لأن الامتحان والبلاء على قدر المنزلة كما جاء في الحديث: [ أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ] (الترمذي وقال: حسن صحيح ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت