ولعل هذا هو سر تكرار أوامر الله عز وجل له صلى الله عليه وسلم بلزوم الصبر كما في قوله تعالى: ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) (الأحقاف/35) ، وقوله تعالى: ( واصبر وما صبرك إلا بالله ) (النحل/127) ، وقوله سبحانه: ( فاصبر على ما يقولون ) (طه/130) وقوله عز شأنه: ( فاصبر إن وعد الله حقٌ ) (الروم/60) ، وقوله تقدست أسماؤه: ( واصبر لحُكم ربك فإنك بأعيننا ) (الطور /48) ، إلى غير ذلك .
ولقد لبَّى صلى الله عليه وسلم تكليف ربه له بذلك وطبقه أيما تطبيق ، كما علمته من خلال هذه المواقف العظيمة ، المقتطفة من مواقفه الكثيرة في الصبر في كل مجالات الحياة ، إذ لم يكن صبره صلى الله عليه وسلم قاصرًا على عناء الدعوة والجهاد ، بل وعلى لأواء الحياة كذلك .
صبره صلى الله عليه وسلم على لأواء الحياة وشدتها:
فقد جاء عن أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسللم قال:"لقد أخِفتُ في الله ، وما يخاف أحد ، وقد أوذيت في الله ، وما يُؤذى أحد ، ولقد أتت عليَّ ثلاثون ما بين يوم وليلة وما لي طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال" (رواه الترمذي وغيره وهو حسن ) .
وقد روى البخاري -رحمه الله- عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها-أنها قالت لعروة:ابن أختي ،إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. فقلت ما كان يعيشكم ؟ قالت:الأسودان ،التمر والماء ، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كان لهم منائح ، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبياتهم فيسقيناه .
صبره صلى الله عليه وسلم على فقد الأولاد:
فقد أخرج ابن سعد عن أنس رضي الله عنه قال: [ رأيت إبراهيم وهو يجود بنفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: [ تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون ] .
بعد 00 فهذه نماذج من صبره صلى الله عليه وسلم ، وهو من جملة شيمه النبيلة وأخلاقه الكريمة التي أدبه بها ربه تبارك وتعالى .
المراجع
1-حياة الصحابة:"الكاندهلوي".
2-أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم:"د . أحمد عبد العزيز الحدَّاد".
3-الرحيق المختوم:"المباركفوري".
صبر النبي عليه الصلاة والسلام على الدعوة
الكاتب: د.عبدالوهاب بن ناصر الطريري
أيها الإخوة والأخوات والأبناء والبنات حياكم الله مع لقاء يتجدد نرحل به مع قلوبنا أرواحنا وجداننا، نرحل به إلى هناك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع رسول الله في دعوته، هذه الدعوة التي كان مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ملحمة في الصبر، دأب وطول الأمل واليقين والثبات، هذه المعاني ليست معاني مجردة نذكرها سردًا وعدًا لكنها حقائق تشرق من حال النبي صلى الله عليه وسلم.
عندما نتقفى هذه السيرة نفوسنا ظمئة يرويها أن ترد معين السيرة ومعين حال النبي صلى الله عليه وسلم فتتروى من هديه وهداه، نحن أحوج ما نكون إلى أن نورد قلوبنا المكدودة معين سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتجد هناك مستراحها وأنسها، ولذلك استنهض نفوسكم أيها الإخوة والأخوات والأبناء والبنات أن نذهب إلى هناك، نرحل مع خبر تقصه علينا أمنا عائشة.
أمنا تستنطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتستروي خبره فيخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تستقرئه وتسترويه مسيرته مع دعوته، تستروي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تحضره من أحواله وقصته مع الدعوة، تفتح وعي أمنا عائشة رضي الله عنها مع الرسول والرسالة على حوادث وافتها لحداثة سنها وصغر عمرها، أحداث أخر ولذلك كان أشد ما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم مما أدركه وعي عائشة يوم أحد وإذا بها تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ما قبل يوم احد، فتقول له: يا رسول الله هل مر عليك يوم هو أشد عليك من يوم أحد؟ سؤال من أمنا عائشة وكانت صغيرة السن لكنها عبقرية ذكية ولماحة، هي تعلم ماذا لقيه النبي صلى الله عليه وسلم في يوم أحد، في يوم أحد شج جبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، كسرت رباعيته، غاصت حلقتان من حلقات المغفر في وجنتيه صلى الله عليه وسلم.
صرع أصحابه حوله، وقف على جثمان عمه حمزة أحب الناس إليه وخيرة أهل بيته، وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جثمانه وقد بقر بطنه، واستخرجت أحشائه، ومثل به، فوقف صلى الله عليه وسلم كاسفًا حزينًا على هذا الجثمان الطاهر وهو يقول: لن أصاب بعد اليوم بمثل مصيبتي فيك.