فهرس الكتاب

الصفحة 1052 من 3657

من هذه النصوص التي نقلتها آنفًا يتبين لنا مدى اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بنشر الدعوة الإسلامية واستفادته من كل فرصة متاحة في إبلاغ الدعوة إلى قومه وتحمله المشاق في سبيل ذلك من سفر وترحال مع مراعاة وسائل النقل المتاحة له في ذلك الزمان إضافة إلى ما يلقاه من أعدائه المشركين الذين بذلوا كل الجهد واستعملوا كل الوسائل المتاحة لهم بإيقاف الدعوة الإسلامية.

ثانيًا: المرحلة المدنية:

بعدما أذن الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم والذين معه بالهجرة إلى المدينة ووصلوا هناك نشأت الدولة الإسلامية الأولى قائدها الرسول صلى الله عليه وسلم ودستورها القرآن الكريم.

وقد سلك الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله طرقًا أخرى غير الذي ذكرت في المرحلة السابقة حسب ما يقتضيه المقام.

من تلك الطرق إرسال الرسل ينوبون عنه ويعلمون الدين الأقوام الذين أرسل إليهم مثل اليمن.

ويؤيد هذا ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:"إنّك ستأتي قومًا من أهل الكتاب فإذا جئتم فادعهم إلى أن يشهدوا أنّ لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنّه ليس بينه وبين الله حجاب" [22] .

ومن ذلك أيضًا ما أخرجه البخاري بسنده عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه قال:"بعث النبي صلى الله عليه وسلم جده أبا موسى ومعاذ إلى اليمن فقال:"يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا" [23] ."

من تلك الطرق التي سلك الرسول صلى الله عليه وسلم في نشر الدعوة إلى الله إرسال الرسائل إلى ملوك الأمم في ذلك الزمان مثل هرقل عظيم الروم وكسرى ملك الفرس وغيرهم.

وقد أخرج الإمام مسلم عن أنس: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي [24] وإلى كل جبار. يدعوهم إلى الله تعالى وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم [25] .

وأذكر هنا رسالة واحدة من تلك الرسائل إلى ملوك الكفار آنذاك كنموذج يشهد لما نحن بصدده. والرسالة التي نختارها لهذا المقام هي التي وجهها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ملك الروم ونصها كما يرويها الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما هو الآتي:"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين [26] ."

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64] [27] .

وبجانب هاتين الطريقتين في الفترة المدنية فقد سلك الرسول صلى الله عليه وسلم مسلكًا آخر في نشر الدعوة الإسلامية، وهو مسلك الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته تنفيذًا لأمر الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39] .

ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة...) [28] .

وقد نفذ الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك الأمر بواسطة إرسال سرايا وبواسطة غزوات اشترك فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه حتى أنّه جرح في بعضها مثل غزوة أحد.

ولا شك أن هذا الأمر يحتاج إلى جهد كبير وصبر على الأذى وثبات في المعركة وتحمل مشقة السفر والترحال إلى مكان العدو الذي يبعد عن المدينة عاصمة الدولة في أكثر الأوقات مع مراعاة الظروف في ذلك الزمان ووسائل النقل المتاحة له صلى الله عليه وسلم ولأصحابه رضوان الله عليهم.

وبالإضافة إلى ذلك هناك معارضة داخلية وهي المتمثلة في اليهود وأعوانهم المنافقين الذين وقفوا في وجه نشر الدعوة الإسلامية بكل ما لديهم من قوة من غدر وتشكيك وتثبيط المؤمنين عن القتال وموالاة المشركين والتآلب مع أعداء الإسلام بغية القضاء على الإسلام ومعتنقيه.

ولا يتسع هذا المقام لأن أذكر بالتفصيل كل المؤامرات التي قام بها كلا المعسكرين اليهود والمنافقين في سبيل إيقاف نشر الدعوة الإسلامية إلى الآفاق إلا أن الحقيقة التي لا بد من ذكرها هي أنهم كانوا حجر عثرة على طريق الدعوة إلى الله طوال الفترة المدنية.

وأذكر هنا على سبيل الإجمال بعض جرائم معسكري اليهود والمنافقين:

أولًا: أهم جرائم اليهود:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت