فهرس الكتاب

الصفحة 1057 من 3657

يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [سبأ:28] .

ويقول تعالى أيضًا: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] .

ويقول تعالى أيضًا آمرًا إعلان هذا الأمر: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158] وهذه النصوص كلها تدل على عمومية رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وهي من إحدى خصائصه كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي... ثم ذكر من بينها وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس كافة" [52] .

ويؤيد خصوصية الرسالات السابقة قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر:24] .

ثانيًا: الحفظ: حيث تكفل الله بحفظها باقية كما نزلت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها دون تغيير شيء منها بالنقص منها أو الزيادة عليها.

يقول تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] وهذا أمر مشاهد اليوم لا ينكره أحد بحيث لم يتغير منها شيء بعد أربعة عشر قرنًا وستبقى كذلك إلى حين يشاء الله تعالى، بخلاف الكتب السابقة التي تعرضت للتحريف والتبديل من قبل أصحابها كالتوراة والإنجيل.

ثالثًا: الكمال والتمام: ولقد أكملها سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم كما يدل عليه قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة:3] .

وقد نزلت هذه الآية في حجة الوداع في العام العاشر من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم كما ورد في الحديث الصحيح.

روى البخاري بسنده عن طارق بن شهاب قال: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرأون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدًا فقال عمر:"إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت يوم عرفة، وإنا والله بعرفة" [53] .

ومن هنا أقول إنّ هذه الآية نزلت بعد جهاد طويل دام ثلاثة وعشرين سنة وفي وقت أظهر الله دينه وفي حجة الوداع الذي لم يحج فيه مشرك لما ورد في الصحيح.

روى البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان" [54] .

وكان ذلك في العام التاسع من الهجرة. ولهذا لم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك.

كما أني أقول أيضًا: إنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد أبلغ الأمة ما كلف به دون كتمان شيء تنفيذًا لأمر الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة:67] .

وتقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في هذا الصدد:"من حدثك أنّ محمدًا قد كتم شيئًا مما أنزل عليه، فقد كذب، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} [المائدة:67] [55] [56] ."

وقد شهد له بذلك جموع من أصحابه رضوان الله عليهم في حجة الوداع حينما قال لهم أثناء خطبته بوادي عرنة في يوم عرفة:".. أنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا:"نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت"فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها [57] إلى الناس:"اللهم أشهد اللهم أشهد، ثلاث مرات.." [58] ."

ولا يخفى أن مثل هذا الأمر يتطلب جهدًا وتحملًا للمشقة كما أنّه يتطلب الصبر على الأذى والثبات أمام المغريات.

وقد تحمل صلى الله عليه وسلم مشقة كبيرة في سبيل نشر الدعوة وإبلاغها إلى الناس كما أنه تحمل أذى المشركين والمنافقين واليهود ومن في حكمهم بالصبر تارة وبالجهاد معهم تارة أخرى طيلة ربع قرن من الزمن تقريبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت