فهرس الكتاب

الصفحة 1056 من 3657

ويؤيد هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ونائلة وإساف [43] لو قد رأينا محمدًا لقمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة تبكي حتى دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: هؤلاء الملأ من قومك قد تعاقدوا عليك لو قد رأوك لقاموا إليك فقتلوك فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك [44] .

وقد أشار القرآن إلى تلك الحادثة بقوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30] .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواجههم بالصبر على أذاهم والثبات على مبدئه طيلة الفترة المكية إيمانًا بأنّ الله عز وجل سوف ينصره وينصر دينه وإن تأثر بإيذائهم له صلى الله عليه وسلم تأثرًا حتى نبهه الله سبحانه تعالى بذلك في عدة مواضع من القرآن على سبيل التسلية والتوجيه.

يقول تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ} [الحجر:9798] .

ويقول الله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هود:12] .

ويقول تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6] .

ويقول تعالى: {...فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر:8] .

المبحث الثالث

تكميل الدين وإتمام النعمة

لقد جعل الله سبحانه وتعالى نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين.

يقول تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب:40] .

ويقول صلى الله عليه وسلم:"إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة قال: فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين" [45] .

وقال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:"ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي" [46] .

فهذه النصوص من القرآن والسنة كلها تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإن ادّعى المدعون النبوة قديمًا وحديثًا.

يقول ابن كثير عند تفسيره الآية السابقة:"فهذه الآية نص في أنّه لا نبي بعده وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بالطريق الأولى والأحرى لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فإنّ كل رسول نبي ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم" [47] .

وعلى هذا فإن رسالته ختمت بها الرسالات السابقة كلها ومن ثم لا يقبل الله أن يدين أحد بسواها بعد نزولها لنسخها ما قبلها سواء كان يدين برسالة سماوية سابقة كاليهودية والنصرانية أو لا كعبدة الأوثان والأصنام. يقول تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85] .

ويقول صلى الله عليه وسلم مؤكدًا ذلك:"لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلاّ أن يتبعني" [48] .

وقوله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" [49] .

يؤيد هذا قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران:81] .

يقول ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية التي نحن بصددها:"ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدًا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه" [50] .

ويروى مثل هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه [51] .

وقد تميزت رسالته صلى الله عليه وسلم بأمور ثلاثة تفوق بها على الرسالات التي قبلها وتؤهلها لأن تكون خاتمة:

أولًا: العموم: بمعنى أن رسالة الإسلام ليست محددة بزمن من الأزمان ولا بمكان من الأمكنة ولا بأمة دون الأمم منذ نزولها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت