ومنها قوله تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:24] .
ومنها قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الحاقة:4142] .
ومن العدوان الذي قام به المشركون أيضًا ما كان يتمثل في إيذائه صلى الله عليه وسلم جسديًا بغية أن يعدل عن دعوته كلية أو جزءًا منها.
من ذلك إيذاؤه صلى الله عليه وسلم بالخنق بواسطة ثوبه كما فعل عقبة بن أبي معيط.
يدل على ذلك ما أخرجه البخاري بسنده عن عمرو بن العاص لما سأله عروة بن الزبير عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفع عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ} [غافر:28] [36] ."
ومن ذلك إلقاء القاذورات عليه صلى الله عليه وسلم كما فعل عقبة بن معيط أيضًا.
أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:"بينا النبي صلى الله عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش جاء عقبة ابن أبي معيط بسلا جزور فقذفه على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرفع رأسه فجاءت فاطمة عليها السلام فأخذته من ظهره ودعت على من صنع فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم عليك بالملأ من قريش أبا جهل بن هشام بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف أو أبي بن خلف" [37] "شعبة الشاك"فرأيتهم قتلوا يوم بدر فألقوا في بئر إلا أمية أو أبي تقطعت أوصاله فلم يلق في البئر" [38] .
ومن ذلك أيضًا المقاطعة العامة التي فرضت عليه صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين من أقربائه وغير المؤمنين الذي وقفوا بجانبه تعصبًا وحميّة.
وقد ذكر أصحاب السير هذه المقاطعة العامة ومن بينهم الإمام ابن كثير رحمه الله في كتابه السيرة النبوية يروي ذلك تعليقًا عن ابن إسحاق صاحب المغازي قال:"فلما رأت قريش أنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدًا أصابوا منه أمنًا وقرارًا، وأنّ النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وجعل الإسلام يفشوا في القبائل فاجتمعوا وأتمروا على أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب على ألا ينكحوا إليهم ولا يناكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوا في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم" [39] .
ويقول ابن إسحاق أيضًا:"فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا، حتى جهدوا ولم يصل إليهم بشيء إلا يسرًا مستخفيًا من أراد صلتهم من قريش" [40] .
وقد ظل الحصار مفروضًا عليهم في تلك المدة حين كان يسمع أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع [41] .
ومن ذلك محاولة إغرائه صلى الله عليه وسلم بواسطة ما عرضوا عليه من مغريات مادية عساه أن يجنح لبعضها حسب ما تقتضي عقولهم وأهواؤهم وحسب ما تقتضي الموازين الأرضية.
يروى أنّ عتبة بن ربيعة وكان سيدًا قال يومًا وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فيعطيه أيها شاء ويكف عنّا وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي إنك منّا حيث علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قل يا أبا الوليد أسمع"قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال:"أفرغت يا أبا الوليد؟"قال: نعم، قال:"فاستمع مني"قال: أفعل، فقرأ صلى الله عليه وسلم صدر سورة فصلت إلى السجدة منها ثم قال:"قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك" [42] .
ومن إيذائهم أيضًا التآمر على قتله صلى الله عليه وسلم.