وقد سلك المشركون من قريش سبلًا شتى في إضعاف الدعوة الإسلامية وإيقافها ومحاولة وأدها في مهدها بعد ظهورها في مكة وذلك بإيذاء صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام وبمنع الناس من الإيمان به وبالتحذير منه تارة وبتعذيب المؤمنين تارة أخرى.
ولقد اتخذ العدوان الجاهلي على رسول الله وأصحابه صورًا شتى وألوانًا عديدة.
ومنه ما كان يتمثل في الدعايات الكلامية الموجهة إلى شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى التهجم على الوحي بقسميه القرآن الكريم والسنة النبوية.
فلقد وجه كفار قريش اتهامات باطلة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حيث وصفوه بالجنون وبالسحر، وإنشاء الشعر مع إيمانهم وتيقنهم بأنه صلى الله عليه وسلم بريء من كل هذا.
وممَّا يؤيد ذلك ما أخرجه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنه أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالًا. فقال: لم؟ قال: ليعطوكه، وإنك آتيت محمدًا لتعرض لما قبله قال: قد علمت قريش أنّي من أكثرها مالًا، قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك إنك منكر له أو إنّك كاره له. قال: وماذا أقول؟، فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار منّي ولا أعلم برجز ولا بقصيدة منّي ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا والله إنّ قوله الذي يقول لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة [31] وإنه لمثمر أعلاه مغدق [32] أسفله، وإنه ليعلوا وما يعلى وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر، ففكر، فلمّا فكر قال: هذا سحر يؤثره عن غيره، فنزلت: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [المدثر:11] [33] .
هكذا كان شأنهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أنهم يقرّون الحق في ضميرهم دون النطق به، بل ينكرونه ويجحدونه مصداقًا لقوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14] ، ومصداقًا لقوله تعالى أيضًا:
{فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33] .
وقد صور الله تعالى بعض أقاويلهم في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى حاكيًا عن أقوالهم حيث قالوا: {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر:6] .
وقالوا: {هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [ص:4] .
وقالوا: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا} [الإسراء:47] .
وقالوا: {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات:36] .
وقالوا: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ} [ص:7] .
وقالوا: {مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ} [الدخان:14] .
وأمّا تهجمهم على القرآن فكثير أذكر طرفًا منه على سبيل المثال لا الحصر كما يحكي ربّنا عنهم.
من ذلك قولهم: {أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان:5] .
ومنها قولهم: {لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت:26] .
ومنها قولهم: {إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ} [المدثر:24] .
ومنها قولهم: {لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان:32] .
ومنها قولهمِ: {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31] .
وكان هذا دأب كل قوم مع رسولهم كما يدل عليه قوله تعالى حاكيًا عن موقف الأمم السابقة من رسلهم: {كَذَلِكَ مَا أتَى الذِينَ مِن قبلِهم مِن رَسُولِ إلا قَالُوا سَاحِر أو مَجنُونٌ * أتَوَاصَوا بهٍ بَل هُم قومٌ طَاغُونَ} .
يقول الشوكاني عند تفسيره هاتين الآيتين:"في هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان أنّ هذا شأن الأمم المتقدمة وأنّ ما وقع من العرب من التكذيب لرسول الله ووصفه بالسحر والجنون قد كان ممن قبلهم لرسلهم" [34] .
ويقول الشهيد سيد قطب في هذا الصدد:"فهي جبلة واحدة وطبيعة واحدة للمكذبين وهو استقبال واحد للحق وللرسل يستقبلهم به المنحرفون" [35] .
وهذه الاتهامات التي ذكرتها يعتبر قطرة من بحر بالنسبة لما وجه إلى صاحب الرسالة ورسالته من اتهامات وافتراءات إلا أنها تدل دلالة واضحة على تعنت هؤلاء المشركين وموقفهم المتزمت تجاه الدعوة وصاحبها صلى الله عليه وسلم طيلة المدة التي أقام المصطفى بين أظهرهم.
وقد رد الله سبحانه وتعالى عن رسوله وعن دينه هذه التهم في كثير من الآيات: منها قوله تعالى: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [القلم:2] .
ومنها قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} [يس:69] .