فهرس الكتاب

الصفحة 1061 من 3657

من الآداب القلبية المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان بنبوته صلى الله عليه وسلم بل هو رأس الآداب كلها لأن الإيمان به صلى الله عليه وسلم ركن من أركان العقيدة وأساس من أسس الدين وأما غيره من الآداب فتابعة له بحيث إذا اختل هذا الركن يختل معه الآداب الأخرى.

وعلى هذا، فأول ما يطلب من الأنام تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان به صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان بالله عز وجل بل إنهما متلازمان لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا *أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا *وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:150152] .

ولأهمية الإيمان به صلى الله عليه وسلم جعلت الكلام عنه في صدارة الباب المتعلق بالآداب مع رسول صلى الله عليه وسلم.

وسوف نتطرق في هذا المبحث إلى المسائل المتعلقة بهذا الموضوع وهي على النحو التالي:

1ـ تعريف الإيمان لغة واصطلاحًا.

2ـ حكم الإيمان به صلى الله عليه وسلم.

3ـ أصناف الناس في الإيمان به صلى الله عليه وسلم.

4ـ ثمرة الإيمان به صلى الله عليه وسلم.

وسوف أبحثها بمشيئة الله وفق هذا الترتيب.

1ـ تعريف الإيمان: يعد التعريف اللغوي مدخلًا للتعريف الاصطلاحي ولذلك سأبدأ بتعريف الإيمان لغة وبعده أعرّفه بما قال علماء الاصطلاح. وذلك فيما يلي:

(أ) تعريف الإيمان في اللغة: يقول الأزهري [7] :"الإيمان: مصدر آمن يؤمن إيمانًا، واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم على أنّ الإيمان معناه التصديق" [8] .

ويقول ابن فارس [9] :"الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان أحدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة ومعناها سكون القلب، والآخر التصديق، والمعنيان كما قلنا متدانيان" [10] .

ويقول الفيروزأبادي [11] في مادة (آمن) :"آمن به إيمانًا صدقه" [12] .

ويقول ابن منظور [13] في مادة (آمن) :"والإيمان بمعنى التصديق، وضده التكذيب، ويقال آمن به قوم وكذبه قوم" [14] . أي: صدقه بعضهم دون بعض.

وهذه التعاريف التي نقلتها عن أهل اللغة تدور حول معنى واحد وهو التصديق ومنه قوله تعالى حكاية عن قول إخوة يوسف عليه السلام لأبيهم يعقوب عليه السلام.

{وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف:17] أي بمصدق لنا.

يقول الأزهري بعد ذكر الآية السابقة:"لم يختلف أهل التفسير أنّ معناه وما أنت بمصدق لنا" [15] .

ولهذا نقول: اتفق أهل التفسير مع أهل اللغة على أنّ الإيمان في اللغة هو التصديق.

(ب) الإيمان في الشرع: الإيمان عند جهور أهل السنة هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان، أي عقد وقول وعمل.

يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى حكاية عن أقوال السلف في تفسير الإيمان:"فتارة يقولون: قول وعمل."

وتارة يقولون: قول وعمل ونية.

وتارة يقولون: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وكل هذا صحيح" [16] ."

وكل هذه الأقوال المنقولة عن السلف والمتعلقة في تفسير الإيمان تؤول إلى معنى واحد وإن اختلفت ألفاظها كمًّا وكيفًا كما وضح ذلك شيخ الإسلام حيث قال:"إن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأى أنّ لفظ القول لا يفهم منه إلاّ القول الظاهر أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية، قال القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأمّا العمل فقد لا يفهم منه فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبًا لله إلاّ باتباع السنة" [17] .

وإذا نظرنا إلى التعاريف الاصطلاحية التي ذكرناها لتفسير الإيمان نجد أنه لا يوجد تعريف خال عن عمل القلب أو ما يفيد معناه.

ولهذا السبب تكلمت عن الإيمان بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الفصل الذي عقدته للأدب القلبي وإن كان يشمل الأعمال الظاهرة على قول أهل السنة إلا أنّ النية عمود الأعمال الظاهرة وأساسها وبها الثواب والعقاب وإن لم يصاحبها عمل أحيانًا، والنية محلها القلب كما هو معلوم.

يقول ابن القيم رحمه الله:"الإيمان له ظاهر وباطن، وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح، وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته، فلا ينفع ظاهر لا باطن له، وإن حقن الدماء وعصم به الأموال والذرية، ولا يجزئ باطن لا ظاهر له، إلاّ إذا تعذر بعجز وإكراه أو ضعف وإكراه" [18] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت