هذا هو تعريف الإيمان بصورة عامة، وأمّا تعريف الإيمان بنبوته صلى الله عليه وسلم فهو الإقرار بنبوته صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا والتسليم له بما جاء به صلى الله عليه وسلم جملة وتفصيلًا عند العلم به.
يقول القاضى عياض:"والإيمان به صلى الله عليه وسلم هو تصديق بنبوته ورسالة الله تعالى له وتصديقه في جميع ما جاء به وما قاله، ومطابقة تصديق القلب بذلك بشهادة اللسان بأنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة بذلك باللسان، تم الإيمان به عليه الصلاة والسلام والتصديق له صلى الله عليه وسلم [19] ."
ومن هذا يتبيّن أنّ الإيمان به صلى الله عليه وسلم يستلزم ثلاثة أمور هي:
1ـ الإيمان به صلى الله عليه وسلم باطنًا جازمًا بذلك دون شك.
2ـ شهادة اللسان بذلك إظهارًا لما في قلبه ما لم يكن صاحبه عاجزًا عن ذلك.
3ـ العمل بمقتضى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم دون اعتراض أو ترك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يقر بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وهو تحقيق شهادة أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمدًا رسول الله، فمن شهد أنّه رسول الله شهد أنّه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى، فإنّ هذا حقيقة الشهادة بالرسالة.. وبالجملة فهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام لا يحتاج إلى دليل، وهو الإقرار بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وهو نفس ما جاء به القرآن وجاءت به السنة" [20] .
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى:"والإيمان هو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علمًا والتصديق به عقدًا، والإقرار به نطقًا، والانقياد به محبة وْخضوعًا، والعمل به باطنًا وظاهرًا، وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان" [21] .
هذا هو الإيمان المعتد به عند الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، وأمّا إذا فقد أمر من الأمور الثلاثة التي ذكرناها فلكل حكمه الخاص كما سوف نبينه عند كلامنا عن أصناف الناس في الإيمان به صلى الله عليه وسلم.
حكم الإيمان به صلى الله عليه وسلم: الإيمان به صلى الله عليه وسلم واجب على كل مكلف بلغته الدعوة الإسلامية على وجهها الصحيح، والأدلة على ذلك كثيرة في القرآن وفي السنة.
أمّا أدلة القرآن الكريم فإنّها تنقسم إلى قسمين: قسم يشهد له ولغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقسم يشهد له صلى الله عليه وسلم خاصة.
أمّا ما يشهد له ولغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمنه قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة:285] وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء:149150] .
وأمّا ما يشهد له صلى الله عليه وسلم خاصة فكثيرة: منها قوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158] .
ومنها قوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن:8] .
ومنها قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا} [الفتح:13] .
وأمّا أدلة السنة فإنها تنقسم إلى قسمين على نمط أدلة القرآن الكريم ولذلك ترى في السنة ما يشهد لرسول الله ولغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما يشهد له صلى الله عليه وسلم خاصة.
أمّا ما يشهد له ولغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام جميعًا: فمنه إجابة النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام بعد ما سأله عن الإيمان حيث قال:"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث" [22] .
وأمّا ما يشهد له صلى الله عليه وسلم فكثيرة منها ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله" [23] .
ومنها ما أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاّ كان من أصحاب النار" [24] ."