والنصوص السابقة تفيد وجوب الإيمان به صلى الله عليه وسلم من عدة وجوه:
الأول: الأمر بالإيمان به صلى الله عليه وسلم كما يفيده قوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} [الأعراف:158] .
وقوله تعالى أيضًا: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا} [التغابن:8] .
الثاني: تسمية من لم يؤمن به كافرًا كما يفيد قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء:150151] .
الثالث: الوعيد لمن لم يؤمن به صلى الله عليه وسلم بإدخال العذاب.
كما يدل عليه قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا} [الفتح:13] .
الرابع: الأمر بقتال من لم يؤمن به صلى الله عليه وسلم كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله" [25] .
الحاصل أنّ الإيمان به صلى الله عليه وسلم يستلزم الإيمان بالرسل السابقين جميعًا عليهم الصلاة والسلام وأنّ الكفر بأحد منهم كفر بهمِ جميعًا كما يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء:150151] .
وكل هذه الأمور التي استنبطت من الأدلة السابقة في القرآن وفي السنة تدل على وجوب الإيمان به صلى الله عليه وسلم لورود الأمر به والأمر يقتضي الوجوب ما لم يعارض ولا معارض له هنا، ولورود الوعيد على عدم الإيمان به صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أنّ الوعيد لا يتأتى إلاّ على ترك أمر واجب أو فعل محرم، ووصف من لم يؤمن به صلى الله عليه وسلم بالكفر، ولا يوصف بالكفر إلا من ترك واجبًا متعمدًا، ولورود الأمر بقتال من لم يؤمن به صلى الله عليه وسلم ولا يقاتل إلا على ترك واجب.
3ـ أصناف الناس في الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم: الناس في الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أصناف: الأول: صنف آمن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا وعمل بمقتضى ذلك.
الثاني: صنف آمن به صلى الله عليه وسلم ظاهرًا دون الباطن.
الثالث: من آمن به صلى الله عليه وسلم ولم يظهر ما يؤيد ذلك أو يخالفه.
أما الصنف الأول فهو المسلم الذي يقبل الله إيمانه ويجازيه عليه في الدنيا والآخرة، وأمّا الصنف الثاني فهو المنافق الذي لا يقبل إيمانه عند الله، وأمّا عند الناس فيقبل بناء على ما أظهره لنا كالنطق بالشهادتين إذ أنّه لا سبيل لأحد إلى معرفة ما في قلبه إلاّ الله ومن ثم يحقن دمه ويعصم ماله وذريته ويجري عليه ما يجري على المسلمين في الظاهر بالنسبة للأمور الدنيوية في معاشه وعند موته، أمّا في الآخرة فسوف يجد جزاءه العادل عند الله تعالى.
يقول القاضي عياض:"وأمّا الحالة المذمومة فالشهادة باللسان دون تصديق القلب وهذا هو النفاق، فلما لم تصدق ذلك ضمائرهم لم ينفعهم أن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فخرجوا عن اسم الإيمان ولم يكن لهم في الآخرة حكمة إذ لم يكن معهم إيمان، وألحقوا بالكافرين في الدرك الأسفل من النار، وبقي عليهم حكم الإسلام بإظهار شهادة اللسان في أحكام الدنيا المتعلقة بالأعمال وحكام المسلمين الذين أحكامهم على الظواهر بما أظهروه من علامة الإسلام إذ لم يجعل الله للبشر سبيل إلى السرائر ولا أمروا بالبحث عنها بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التحكم عليها وذم ذلك [26] وقال:"... هلا شققت قلبه..." [27] ."
وأمّا الصنف الثالث فقد فصّل القاضي عياض رحمه الله في شأنه حيث قال بعد ذكر الصنفين السابقين:"بقيت حالتان أخريان بين هذين الصنفين: إحداهما: أن يصدق بقلبه ثم يخترم قبل أن يتسع الوقت للشهادة بلسانه فاختلف فيه، فشرط بعضهم من تمام الإيمان القول والشهادة، ورآه بعضهم مؤمنًا موجبًا للجنة لقوله صلى الله عليه وسلم:"... يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" [28] فلم يذكر سوى ما في القلب وهذا مؤمن بقلبه غير عاص ولا مفرط بترك غيره. وهذا هو الصحيح في هذا الوجه."