الثانية: أن يصدق بقلبه ويطول مهلة، وعلم ما يلزمه من الشهادة فلم ينطق بها جملة ولا استشهد بها في عمره مرة، فهذا اختلف فيه أيضًا، فقيل: هو مؤمن لأنّه مصدق، والشهادة من جملة الأعمال فهو عاص بتركها غير مخل، وقيل: ليس بمؤمن حتى يقارن عقده شهادة اللسان، إذ الشهادة إنشاء عقد والتزام إيمان وهي مرتبطة مع العقد ولا يتم التصديق مع المهلة إلا بها وهذا هو الصحيح) [29] .
4ـ ثمرة الإيمان بنبوته صلى الله عليه وسلم: إذا أطلق الإيمان في لسان الشرع فإنّه يفيد الإيمان بالله ورسوله وما يتبع ذلك من شعب الإيمان لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} [النور:62] . قال الإمام الشافعي رحمه الله في تأويل هذه الآية:"جعل الله كمال الإيمان الذي ما سواه تبع له الإيمان بالله ثم برسوله فلو آمن عبد بالله ولم يؤمن بَرسوله لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبدًا حتى يؤمن برسوله معه" [30] .
وثمرة الإيمان كثيرة نذكر طرفًا منها:
1ـ الاستخلاف والتمكين في الأرض والاستقرار فيها كما يقول تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور:55] .
2ـ البشرى في الدنيا والآخرة. كما يدل عليه قوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس:6264] .
والمراد بالبشرى في الدنيا الرؤيا الصالحة، وأما في الآخرة فهي الجنة [31] .
3ـ الهداية إلى الصراط المستقيم، كما يدل عليه قوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج:54] .
4ـ الحياة الطيبة والجزاء الحسن. كما يفيد قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل:97] .
5ـ النصر في الدنيا وفي الآخرة. كما يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر:51] .
وقوله تعالى أيضًا: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47] .
6ـ قبول الأعمال. كما يدل عليه قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} [الأنبياء:94] .
7ـ دخول الجنة. كما يدل عليه قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة:72] .
وهذه أهم الثمرات الحاصلة بالإيمان بنبوته صلى الله عليه وسلم وما يتبع ذلك من شعب الإيمان الأخرى الواردة في قوله صلى الله عليه وسلم:"الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق..." [32] .
المبحث الثاني
محبته صلى الله عليه وسلم
من الآداب القلبية محبته صلى الله عليه وسلم وهي من الأمور الخفية التي لا يطلع عليها إلاّ الله سبحانه وتعالى ويمكن معرفتها بالعلامات الظاهرة مثل الاتباع والطاعة. ولهذا قال تعالى في شأن من ادعى محبة الله اختبارًا لهم: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ} [آل عمران:31] .
ويفهم من هذه الآية أنّ محبة العبد لله تستلزم اتباعه باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم واتباع الرسول يستلزم محبة الله للعبد.
ومحبته صلى الله عليه وسلم من موجبات الإيمان بل من الإيمان نفسه كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدًا حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" [33] .
وفي هذا الحديث جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أقسام المحبة التي تكون بين الناس وهي ثلاثة:
1ـ محبة إجلال وإعظام كمحبة الولد والده.
2ـ محبة إشفاق ورحمة كمحبة الوالد ولده.
3ـ محبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس.
ومحبته صلى الله عليه وسلم فوق هذا كله كما يفيد أفعل التفضيل في قوله:"أحب إليه".
وفي هذا المبحث سوف نتحدث عن المسائل المتعلقة بهذا الموضوع وهي على النحو التالي:
1ـ معنى المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
2ـ أنواعها.
3ـ علاماتها.
4ـ ثمرتها.