فهرس الكتاب

الصفحة 1065 من 3657

5ـ صور من حب السلف للرسول صلى الله عليه وسلم.

وسوف أبحثها إن شاء الله تعالى وفق هذا الترتيب.

1ـ معنى المحبة: ذكر العلماء في أصل اشتقاق المحبة عدة أقوال. وإني هنا أذكر أهم ما قيل فيها: يقول الفيروزأبادي:"وهذه المادة تدور في اللغة على خمسة أشياء:"

أحدها: الصفاء والبياض ومنه قيل: حبب الأسنان لبياضها ونضارتها.

الثاني: العلو والظهور ومنه حبب الماء وحبابه وهو ما يعلو من النفخات عند المطر وحبب الكأس منه.

الثالث: اللزوم والثبات ومنه حب البعير وأحب إذا برك ولم يقم.

الرابع: اللباب والخلوص ومنه حبة القلب للبه وداخله، ومنه الحبة الواحدة الحبوب إذ هي أصل الشيء ومادته وقوامه.

الخامس: الإمساك والحفظ ومنه حبب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه. وفيه معنى الثبوت.

ثم قال: ولا ريب أنّ هذه الخمسة من لوازم المحبة [34] .

هذه أصل اشتقاق المحبة، وأمّا معناها اللغوي فيقول الفيروزأبادي في مادة (الحب) :"الحب: الوداد كالحباب والحب بكسرها والمحبة والحباب بالضم" [35] .

ويقول ابن منظور في مادة"حبب"ما يلي:"الحب نقيض البغض، والحب الوداد والمحبة وكذلك الحب بالكسر" [36] .

وهذا هو المعنى اللغوي للمحبة وهو يدور حول الود أو نقيض الكراهية والبغض.

وأمّا علماء الاصطلاح فقد ذهبوا إلى أنّ لفظها يدل عليها وتحديد معناها بألفاظ أخرى لا يحقق الغرض من أتضاحها.

ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"لا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلاّ خفاء وجفاء، فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها، وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها، فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة" [37] .

وبذلك فمن الصعب أن نجد لها حداَ جامعًا، ومع ذلك فإنّي أحاول أن أجليها بذكر آراء العلماء فيها.

يقول القاضي عياض مبينًا ذلك:"اختلف الناس في تفسير محبة الله ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم وكثرت عباراتهم في ذلك وليست ترجع بالحقيقة إلى اختلاف مقال ولكنّها اختلاف أحوال، فقال سفيان [38] : المحبة اتباع الرسول كأنه التفت إلى قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ} [آل عمران:31] وقال بعضهم: محبة الرسول اعتقاد نصرته والذب عن سنته والانقياد لها وهيبة مخالفته، وقال بعضهم: المحبة دوام الذكر للمحبوب، وقال آخر: إيثار المحبوب وقال بعضهم: المحبة الشوق إلى المحبوب، وقال بعضهم: المحبة مواطأة القلب لمراد الرب بحب ما أحب وبكره ما كره، وقال آخر: المحبة ميل القلب إلى موافق له، ثم قال: وأكثر العبارات المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها، وحقيقة المحبة الميل إلى ما يوافق الإنسان" [39] .

وكذلك الراغب الأصفهاني حدّها بتعريف مماثل لقول الأخير قائلًا:"المحبة ميل النفس إلى ما تراه أو تظنّه خيرًا، وذلك ضربان أحدهما: طبيعي وذلك في الإنسان والحيوان وقيل قد يكون بين الجمادات كالألفة بين الحديد وحجر المغناطيس."

والثاني: اختياري وذلك يختص به الإنسان" [40] ."

والذي يهمنا في هذا المقام المحبة الاختيارية التي بين الناس وهي لا تكون إلاّ لأسباب مثل اللذة والنفع والفضل. وسيأتي تفصيلها عند حديثي عن أنواع المحبة وأقسامها.

وأما المحبة التي أقرها الشرع فتكون في ثلاثة: محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم ومحبة المؤمنين.

يقول أبو عبد الله المحاسبي:"والمحبة في ثلاثة أشياء لا يسمى محبًا لله عز وجل إلاّ بها:"

1ـ محبة المؤمنين في الله عز وجل.

2ـ محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لله عز وجل.

3ـ محبة الله عز وجل في إيثار الطاعة على المعصية" [41] ."

وعلى هذا فمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم هي ميل القلب المؤمن إليه مودة لسبب من الأسباب الموجبة على ذلك لله عز وجل ثم الانتفاع برسالته والفضل الذي أوثر عنه مثل مكارم الأخلاق والاتصاف بصفات حميدة.

2ـ أنواع المحبة: قسّم العلماء المحبة إلى عدة أنواع: فمنهم من قسّمها إلى طبيعية واختيارية، ومنهم من قسّمها إلى حسيّة ومعنوية، ومنهم من قسّمها حسب الأسباب الموجبة لها مثل اللذة والنفع والفضل، ومنهم من قسّمها بحسب الرتب والدرجات.

وقد قسّم الراغب الأصفهاني المحبة إلى قسمين حيث قال:

أحدهما: طبيعي وذلك في الإنسان والحيوان، وقيل: قد يكون بين الجمادات كألفة بين الحديد وحجر المغناطيس.

الثاني: اختياري وذلك يختص به الإنسان فأما ما يكون بين الحيوانين فألفة، وهذا الثاني أربعة أضرب:

الأول: للشهوة وأكثر ما يكون ذلك بين الأحداث.

والثاني: للمنفعة ومن جهة ما يكون بين التجار وأرباب الصناعات المهنية.

والثالث: ما يكون مركبًا من ضربين كمن يحب آخر للنفع وذلك يحبه للشهوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت