فهرس الكتاب

الصفحة 1068 من 3657

التأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم متعدد الجوانب متنوع الصور، وقد تحدثت عن التأدّب القلبي في الفصل السابق وأتبعه بعون الله تعالى بالحديث عن التأدّب القولي. ونقصد بالتأدّب القولي ما كان متلفظًا به وهو عمل اللسان.

والآداب سواء كانت قلبية أو قولية أو فعلية مترابطة إلاّ أن التقسيم منهجي للتوضيح والدراسة لأنّ من استقام قلبه استقام لسانه واستقامت جوراحه.

والأدب اللساني له أهميته لأنّ اللسان هو دليل القلب وهو الوسيلة الرئيسية التي تساعد الإنسان على الاتصال بالآخرين وبواسطته تتضح معالم شخصية صاحبه، وبه تقوم الدعوة ويتم البلاغ.

ولهذا السبب سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربّه عز وجل حل العقدة من لسانه حتى يقوم بتبليغ الدعوة على وجهها خير قيام، وذلك حين كلفه ربّه بالرسالة وأمره بدعوة فرعون وقومه يقول تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه:2728] .

كما أنه عليه الصلاة والسلام طلب من ربّه أن يرسل معه أخاه هارون عليه الصلاة والسلام لفصاحة لسانه ووضوح بيانه يقول تعالى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} [القصص:34] .

يقول الفخر الرازي في تفسير هذه الآية:"ليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له صدقت أو يقول للناس صدق موسى، وإنّما هو أن يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ويجيب عن الشبهات ويجادل الكفار، فهذا هو التصديق المفيد" [60] .

والبيان ميزة الإنسان عن سائر المخلوقات، وبه يستطيع الإنسان أن يعبر عن مراده بأسلوب واضح وبطريقة مفهومة.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الميزة على وجه الامتنان فقال تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن:14] .

يقول الفخر الرازي في تفسيره:"لم يقل وعلمه البيان لأنه لو عطفه عليه لكان مغايرًا له، أمّا إذا ترك الحرف العاطف صار قوله: {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن:4] كالتفسير لقوله: {خَلَقَ الإِنسَانَ} [الرحمن:3] كأنه إنما يكون خالقًا للإنسان إذ علمه البيان، وذلك يرجع إلى الكلام المشهور من أنّ ماهية الإنسان هو الحيوان الناطق" [61] .

ولهذا اعتبر اللسان نصف الإنسان لأنّه يقال: المرء بأصغريه قلبه ولسانه.

يقول زهير بن أبي سلمى مشيرًا إلى ذلك:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلاّ صورة اللحم والدم [62]

واللسان مع أهميته مثل آلة ذات حدين حيث يستعمل للخير كالصدق في القول والإرشاد والتعليم والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن الحق، كما أنه يستعمل للشر من إيذاء الناس بالشتم أو بالنميمة والدفاع عن الباطل ومساندته لأن البيان قوة مؤثرة في تحريك النفوس وتوجيه الناس.

يقول صلى الله عليه وسلم:"إن من البيان لسحرًا" [63] .

ويقول ابن حبان البستي معلقًا على هذا الحديث:"وشبه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا البيان بالسحر إذ الساحر يستميل قلب الناظر إليه بسحره وشعوذته، والفصيح الذرب اللسان يستميل قلوب الناس إليه بحسن فصاحته ونظم كلامه، فالأنفس تكون إليه تائقة والأعين إليه رامقة" [64] .

ولذا كان مجال اللسان واسعًا سواء في الخير أو في الشر.

يقول الفخر الرازي مبينًا ذلك:"ما من موجود أو معدوم خالق أو مخلوق معلوم أو موهوم إلاّ واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي، فإن كل ما يتناوله الضمير يعبر عنه بحق أو باطل، وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء فإنّ العين لا تصل إلى غير الألوان والصور، والآذان لا تصل إلى غير الأصوات والحروف، واليد لا تصل إلى غير الأجسام وكذلك سائر الأعضاء بخلاف اللسان فإنّه رحب الميدان ليس له نهاية ولا حد له فله في الخير مجال رحب وله في الشر بحر سحب.." [65] .

وفي هذا الفصل نبين مجاله في التأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم من حيث مخاطبته صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه وما يتبع ذلك.

لذا يتكون هذا الفصل من مبحثين:

المبحث الأول: مخاطبته صلى الله عليه وسلم.

المبحث الثاني: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

المبحث الأول

مخاطبته صلى الله عليه وسلم

الخطاب توجيه الكلام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم على وجه السؤال أو الجواب أو المحادثة، وقد تكون نداء مباشرًا له عليه الصلاة والسلام أثناء حياته.

ولذلك تضمن هذا المبحث دراسة مسألتين:

الأولى: غض الصوت وقت مخاطبته صلى الله عليه وسلم.

الثانية: استخدام النداء اللائق بمقامه صلى الله عليه وسلم.

وذلك فيما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت