فهرس الكتاب

الصفحة 1069 من 3657

1ـ غض الصوت وقت مخاطبته صلى الله عليه وسلم: من المعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم هو المصدر الوحيد الذي يتلقى عنه المسلمون تعاليم الله سبحانه وتعالى سواء كان قرآنًا أو سنة أو حديثًا قدسيًا، لذلك يجب عليهم أن يتأدبوا معه صلى الله عليه وسلم أثناء كلامه معهم أو كلامهم معه، وذلك بخفض الصوت وترك الجهر العالي كما يكون بين الإنسان وصديقه لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} [الحجرات:2] .

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية:"هذا أدب ثان أدّب الله تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فوق صوته) [66] ."

والأدب هنا يحصل بمجانبة أمرين اثنين: أولاهما: رفع الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم أخذًا من النهي الوارد في قوله: {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات:2] .

ثانيهما: الجهر بالقول له صلى الله عليه وسلم كالجهر بعضهم بعضًا أخذًا من النهي الوارد في قوله تعالى: {وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الحجرات:2] .

وقد فرّق المفسرون بين النهيين الواردين في الآية حيث قالوا: إن الأول يتعلق برفع الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم أثناء كلامه معهم. وأمّا الثاني يتعلق بالجهر له صلى الله عليه وسلم وقت صمته.

ومنهم من يقول: إنّ النهي الأول يتعلق وقت خطابه معهم أو خطابهم معه أو صمته، وأن الثاني يتعلق بندائه صلى الله عليه وسلم باسمه المجرد أو بكنيته، مثل: يا محمد، يا أبا القاسم.

وأكثر المفسرين ذهبوا إلى القول الأول الذي مفاده أنّ النهي الأول يتعلق وقت خطابه صلى الله عليه وسلم معهم، وأمّا الثاني فيتعلق وقت خطابهم معه، وصمته، وهو الأرجح لأنّ النهي عن النداء غير اللائق به صلى الله عليه وسلم ورد في آية أخرى بعد هذه الآية بآية واحدة وهي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [الحجرات:4] .

وقد أجمل النيسابوري رحمه الله ما ورد في التفريق بين هذين النهيين قائلًا:"والجمهور على أنّ بين النهيين فرقًا ثم اختلفوا فقيل: الأول: فيما إذا نطق ونطقتم أو أنصت ونطقوا في أثناء كلامه فنهوا أن يكون جهرهم باهر الجهر."

والثاني: فيما إذا سكت ونطقوا ونهوا عن جهر مقيد بما اعتادوه فيما بينهم وهو الخالي عن مراعاة أبهة النبوة.

وقيل: النهي الأول أعم مما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا والمراد بالنهي الثاني أن لا يتمادى وقت الخطاب باسمه أو كنيته كنداء بعضكم لبعض فلا يقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم، ولكن يا نبي الله يا رسول الله" [67] ."

نستنتج من النهيين السابقين وجوب غض الصوت عند النبي صلى الله عليه وسلم ولزوم الأدب في مخاطبته سواء كان ذلك أثناء كلامه أو صمته لأنّ رفع الصوت والجهر عنده يؤدي إلى سوء الأدب معه وقلة الاحتشام منه ومجانبة توقيره ومعاملته معاملة الأقران بعضهم لبعض ومن ثم يترتب إحباط عمل المؤمن والعياذ بالله وهو لا يشعر.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية: والأدب الثاني هو أدبهم مع نبيهم في الحديث والخطاب وتوقيرهم له في قلوبهم توقيرًا ينعكس على نبراتهم وأصواتهم، ويميز شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ويميز مجلسه فيهم، والله يدعوهم إلى ذلك النداء الحبيب ويحذرهم من مخالفة ذلك التحذير الرهيب [68] .

والتحذير الرهيب هو إحباط العمل الصالح بِدون شعور صاحبه أخذًا من قوله تعالى: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} [الحجرات:2] بمعنى أنّ عمل المؤمن يحبط بالذنوب والمعاصي دون الشرك لأن الآية خطاب للمؤمنين بدليل ابتدائها بالنداء الموجه للمؤمنين.

وعلى هذا استشكل المفسرون في توجيه هذه الآية التي ظاهرها يفيد بطلان العمل الصالح بالذنوب والمعاصي مع أن القاعدة هي أن الأعمال لا تبطل إلا بالشرك بدليل قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65] . ومن ثم اختلفت آراؤهم: فمنهم: من يقول إن الذنوب تحبط العمل الصالح ومن ثم يكفر صاحبها.

ومنهم من يقول: إن الإحباط يقصد به نقص المنزلة دون إحباط أصلها.

ومنهم من يقول: إن قلة الأدب معه صلى الله عليه وسلم تحبط العمل الصالح وإن كان لا يكفر صاحبها.

وممّن قال بالقول الأول شيخ الإسلام ابن تيمية قائلًا:"ومن ذلك أنّه حرم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، وحرم رفع الصوت فوق صوته، وأن يجهر له بالقول كما يجهر الرجل للرجل، وأخبر أن ذلك سبب حبوط العمل، فهذا يدل على أنه يقتضي الكفر لأنّ العمل لا يحبط إلا به" [69] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت