وممّن قال بالقول الثاني أبو سليمان الدمشقي: حيث ذهب إلى أن معنى الإحباط هاهنا نقص المنزلة لا لإسقاط العمل من أصله كما يسقط بالكفر" [70] وممّن قال بالقول الثالث ابن جزي الكلبي: وهذا الإحباط، لأن قلة الأدب معه صلى الله عليه وسلم والتقصير في توقيره يحبط الحسنات، وإن فعله مؤمن لعظيم ما وقع فيه من ذلك" [71] .
ومع الاختلاف الموجود بين هذه الآراء فإنها مجمعة على أن الذنوب تؤثر في العمل الصالح وتنقصه غير أن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أنّه يترتب على ذلك أمر آخر وهو الكفر أخذًا من ظاهر الآية.
وأحسن ما قيل في تأويل هذه الآية ما ذكره ابن المنير رحمه الله حيث يقول:"والقاعدة المختارة أنّ إيذاءه عليه الصلاة والسلام يبلغ مبلغ الكفر المحبط للعمل باتفاق، فورد النهي عمّا هو مظنّة لأذى النبي صلى الله عليه وسلم سواء وجد هذا المعنى أو لا حماية للذريعة وحسمًا للمادة، ثم لما كان هذا المنهي عنه هو رفع الصوت منقسمًا إلى ما يبلغ ذلك المبلغ أولًا، ولا دليل عليه يميز أحد القسمين عن الآخر لزم المكلف أن يكف عن ذلك مطلقًا وخوف أن يقع فيما هو محبط للعمل وهو البالغ حد الإيذاء إذ لا دليل ظاهر يميزه، وإن كان فلا يتفق تمييزه في كثير من الأحيان، وإلى التباس أحد القسمين بالآخر وقعت الإشارة بقوله سبحانه [72] ."
{أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} [الحجرات:2]
ومن هذا الكلام الذي نقلناه عن ابن المنير يتبيّن لنا أن النهي في الآية يحتمل ما يؤدي إلى الكفر وهو ما يترتب عليه إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم أو الاستخفاف به ويحتمل ما دون ذلك، فإن كان الأول فلا غبار أنّ من فعل هذا يكفر ومن ثم يحبط عمله وعليه يتنزل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية السابق، وإن كان الثاني فأقل ما يقال فيه: أنّ صاحبه يأثم إثمًا كبيرًا قد يؤدي إلى منزلق خطير دون أن يترتب عليه كفر، إلا أن عمله ينقص أو يحبط وعليه يتنزل قولا أبي سليمان الدمشقي وابن جزي الكلبي لأن الحسنات يذهبن السيئات لقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] وكذلك العكس أي أنّ الذنوب تحبط العمل أو تنقصه ولكن هنا بدون علم صاحبه أو حسه.
وهذا على غرار قوله تعالى في قضية الإفك: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور:15] .
وقوله صلى الله عليه وسلم:"إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه إليه بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم" [73] .
وقد التزم الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهده كما ورد في الآثار.
منها قول أبي بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك ألا كأخي السرار حتى ألقى الله عز وجل" [74] .
ومنها ما أخرجه البخاري عن ابن الزبير رضي الله عنه قال:"فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه" [75] .
وهذان النموذجان من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما يمثلان سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين الذين شاهدوا التنزيل وتأدبّوا بآدابه ووقفوا عند حدوده ينفذون أوامره ويتركون نواهيه دون إبطاء أو تأخير.
وفي هذا المقام يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:"فهكذا ارتعشت قلوبهم وارتجفت تحت وقع ذلك النداء الحبيب، وذلك التحذير الرهيب، وهكذا تأدبوا في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون ولو كانوا يشعرون لتداركوا أمرهم ولكنّ هذا المترلق الخافي عليهم كان أخوف عليهم فاخافوه واتقوه" [76] .
ولأجل هذا الامتثال السريع من قبل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مدحهم الله سبحانه وتعالى بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات:3] .
هكذا كان الأمر في حياته صلى الله عليه وسلم وأمّا بعد مماته فكذلك يجب على المسلم أن يتأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث لا يرفع صوته عند سماع أحاديثه صلى الله عليه وسلم لأن حرمته ميتًا كحرمته حيًا سواء بسواء وأن أحاديثه تقوم مقامه.