يقول ابن العربي رحمه الله:"حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتًا كحرمته حيًا وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به، وقد نبّه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف:204] وكلام النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي وله الحرمة مثل ما للقرآن إلاّ معاني مستثناة بيانها في كتب الفقه. والله أعلم" [77] .
ويراعى هذا الأدب وهو عدم رفع الصوت أيضًا في مسجده صلى الله عليه وسلم لما أخرجه البخاري بسنده عنْ السائب بن يزيد قال: كنت قائمًا في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتني بهذين فجئته بهما، قال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم [78] .
هذا في المسجد وكذلك الحال عند قبره صلى الله عليه وسلم يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عند تفسيره هذه الآية:"ومعلوم أنّ حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كحرمته في أيام حياته وبه تعلم أنّ ما جرت به العادة من اجتماع الناس قرب قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في صخب ولغط وأصواتهم مرتفعة ارتفاعًا مزعجًا كله لا يجوز ولا يليق وإقرارهم عليه من المنكر" [79] .
وممّا سبق ذكره يتبين لنا أنّ حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتًا كحرمته في حياته على الوجه الذي شرحناه آنفًا وأنه يجب التأدب معه في الصوت بعد وفاته كما كان الحال وقت حياته للآية الكريمة التي نحن بصددها لأنّ حكمها يستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولا ينقطع بموته صلى الله عليه وسلم.
كما أنّ هذا الأدب المستفاد من الآية يكون مع العلماء لأنهم ورثة الأنبياء وكذلك مع الأبوين وغيرهما لمن له فضل على الإنسان المسلم.
يقول الجصاص في هذا المقام:"وهذه الآيات وإن كانت نازلة في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وإيجاب الفرق بينه وبين الأمة فيه فإنه تأديب لنا فيمن يلزمنا تعظيمه من والد وعالم وناسك وقائم بأمر الدين وذي سن وصلاح ونحو ذلك إذ تعظيمه بهذا الضرب من التعظيم في ترك رفع الصوت عليه وترك الجهر عليه والتمييز بينه وبين غيره ممن ليس في مثل حاله" [80] .
قلت: لا شك أنّ هؤلاء الأشخاص يأخذون هذا الحكم وينبغي التأدب معهم وتوقيرهم بالشكل اللائق بهم مع مراعاة الفرق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنّ مقامه أرفع من هؤلاء جميعًا وهو صلى الله عليه وسلم المعنى بالآية أصلًا وهؤلاء تبعًا وليس الفرع كالأصل وإن اشتركا في أمور، والله تعالى يقول: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب:6] بل ينبغي أن يحترم العبد النبي صلى الله عليه وسلم أَكثر من سيده.
يقول الفخر الرازي في تفسير هذه الآية:"إن هذا أفاد أنّه لا ينبغي أن يتكلم المؤمن عند النبي صلى الله عليه وسلم كما يتكلم العبد عند سيده لأن العبد داخل تحت قوله: {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الحجرات:2] . لأنه للعموم فلا ينبغي أن يجهر المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم كما يجهر العبد للسيد وإلا لكان قد جهر له كما يجهر بعضهم لبعض.. ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب:6] . والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه حتى لو كان في مخمصة ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيده ويجب البذل للنبي صلى الله عليه وسلم... وأن الحكمة تقتضي ذلك كما أن العضو الرئيسي أولى بالرعاية من غيره، لأنّ عند خلل القلب مثلًا لا يبقى لليدين والرجلين استقامة، فلو حفظ الإنسان نفسه وترك النبي صلى الله عليه وسلم لهلك هو أيضًا بخلاف العبد والسيد" [81] .
2ـ النداء اللائق به صلى الله عليه وسلم: النداء لون من ألوان الخطاب إلا أنه يتميز عنه بتوجيهه إلى شخص المنادى مباشرة، الأمر الذي يجعل له أثرًا عند من ينادي عليه.
وفي مجال التأدّب مع الرسول صلى الله عليه وسلم جاء التنبيه في القرآن الكريم على ضرورة عدم مناداته بطريقة جافة ومزعجة بل لا بد من مراعاة مقامه وقدره وبالأخص عندما يكون في بيته مع نسائه وأولاده.
يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات:45] .