عن الأقرع بن حابس رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أخرج إلينا، فلم يجبه، فقال: يا محمد إن حمدي زين وإنّ ذمي شين، فقال: فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [الحجرات:4] [82] .
ويقول ابن كثير:"وقد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي رضي الله عنه فيما أورده غير واحد" [83] .
وقد ذكر المفّسرون عدّة أسباب لنزول هذه الآية التي نحن بصددها ولكنّ الذي يهمنا في هذا المقام هو ما يستفاد من الآية سواء نزلت في الأقرع بن حابس رضي الله عنه أو في غيره لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقد تضمنت الآية أمرين:
أولهما: عدم إزعاج الرسول صلى الله عليه وسلم في وقت خلوته في بيته مع نسائه بالنداء غير اللائق به.
وثانيهما: الإرشاد إلى ما ينبغي أن يفعل في هذه الحالة وهو الانتظار إلى أن يحين وقت خروجه.
يقول ابن كثير في تفسيره هذه الآية:"ثم إنه تبارك وتعالى ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات وهي بيوت نسائه كما يصنع أجلاف الأعراب فقال: {أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [الحجرات:4] . ثم أرشد إلى الأدب في ذلك فقال عز وجل: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [الحجرات:5] أي: لكان في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة" [84] .
وهذا لا يعني أنه لا يجوز مناداته صلى الله عليه وسلم بتاتًا، وإنما المحظور مناداته في وقت خلوته مع نسائه في بيته كما في هذه الحالة، وكذلك مناداته بصوت مرتفع خال من الاحترام والتقدير بل ينبغي أن ينادي له بصوت منخفض وبصيغة معينة تتناسب مع قدره وعظمته ووقاره مثل: يا رسول الله، يا نبي الله، لا مجرد اسمه مثل: يا محمد، ويا أحمد، ويا أبا القاسم. كما يفعل بعضهم لبعض.
وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور:63] .
وهذه الآية تشير إلى أحد المعاني الآتية:
الأول: أنه نهي عن التعرض لإسخاطه صلى الله عليه وسلم لأنه إذا دعا على شخص فدعوته مستجابة.
الثاني: أنهم أمروا أن يقولوا: يا رسول الله ونهوا أن يقولوا: يا محمد وما يساويها.
الثالث: أنه نهي لهم عن الإبطاء إذا أمرهم والتأخر إذا دعاهم [85] . وقد ذكر أكثر المفسرين هذه التأويلات مع ترجيح واحد منها والسكوت عن المعنيين الآخرين إلا أن ابن عطية [86] رد معنى الأول حيث قال:"ولفظ الآية يدفع هذا المعنى" [87] .
وهناك من ذكر التأويلات الثلاثة دون ترجيح إيذانًا بأن الآية تحتمل المعاني الثلاثة.
وقد أيّد كل مفسّر ما ذهب إليه بترجيحات مقبولة ونذكر بعضها هنا.
فمن الذين رجحوا التأويل الثاني الفخر الرازي بعد إيراده التأويل المذكور حيث قال:"والذي يدل على هذا عقب هذا [88] : {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [النور:63] وذهب إلى ذلك أيضًا أبو حيان الأندلسي حيث قال بعد إيراده هذا التأويل:"وهذا موافق لمساق الآية ونظمها" [89] ."
وأمّا من الذين رجحوا القول الثالث فمنهم الإمام ابن كثير رحمه الله حيث قال:"وهذا قول وهو الظاهر من السياق كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا} [البقرة:104] إلى آخر الآية."
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات:2] .
إلى قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} [الحجرات:4] إلى آخر الآية، ثم قال: فهذا كله من باب الأدب في مخاطبته صلى الله عليه وسلم والكلام معه كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته" [90] ."
يقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي بعد ذكره الأقوال الثلاثة:"وهذه الوجوه الثلاثة وإن كان كل واحد منها صحيحًا حسب الألفاظ القرآنية، ولكن الوجه الأول [91] هو أقرب إلى نظم الآية عندنا وهو الذي يؤيده قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور:63] بعد هذه الآية [92] ."
والذي ينبغي في هذا المقام عدم ترجيح أحد الأقوال على آخر ما دامت ألفاظ الآية تحتمل المعاني المذكورة كلها ولا تعارض بينها وخاصة إذا كان هناك مرجحات مباشرة وغير مباشرة لكل من القولين اللذين أخذ بهما المفسرون.