فهرس الكتاب

الصفحة 1073 من 3657

وأحسن ما قيل في معنى هذه الآية التي نحن بصددها قول ابن قيم الجوزية رحمه الله والذي يقول فيه:"إنّ المصدر هنا لم يضف إضافته إلى فاعل ولا مفعول وإنما أضيف إضافة الأسماء المحضة، ويكون المعنى لا تجعلوا الدعاء المتعلق بالرسول المضاف إليه كدعاء بعضكم بعضًا، وعلى هذا فيعم الأمرين معًا ويكون النهي عن دعائهم له باسمه كما يدعو بعضهم بعضًا وعن تأخير إجابته صلى الله عليه وسلم، وعلى كل تقدير أمر الله سبحانه بأن يتميز عن غيره في خطابه ودعائه إياهم، قيامًا للأمة بما يجب عليهم من تعظيمه وإجلاله" [93] .

وخلاصة القول: إن الغرض الذي من أجله أوردنا هذه الآية هو بيان ما يجب على المسلم أن يتحلى به في ندائه صلى الله عليه وسلم حيث يخفض صوته ويتخير ألفاظ التقدير والتعظيم لندائه بيا رسول الله، ويا نبي الله، يا خير خلق الله. ويدع هذه النداءات السوقية في لفظها وكيفيتها مثل: يا محمد، ويا أحمد، أو كنيته مثل: يا أبا القاسم كما كانوا يفعلونه من قبل، بل بندائه صلى الله عليه وسلم نداء يتناسب مع مقامه ومكانته مثل: يا رسول الله ويا نبي الله اقتداء بما في القرآن من نداء الله سبحانه وتعالى له صلى الله عليه وسلم بحيث أنّ الله سبحانه وتعالى لم يناد رسوله في القرآن بمجرد اسمه ولو مرة واحدة وإنما ناداه بصفة النبوة والرسالة وغيرهما من الصفات الثابتة له في القرآن.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عند كلامه عن حقوق الرسول الزائدة على مجرد التصديق [94] والإيمان:

"ومن ذلك حضّه في المخاطبة بما يليق به فقال: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور:63] فنهى أن يقولوا يا محمد أو يا أحمد أو يا أبا القاسم ولكن يقولوا، يا رسول الله، يا نبي الله، وكيف لا يخاطبونه بذلك والله سبحانه وتعالى أكرمه في مخاطبته إياه مما لم يكرم به أحدًا من الأنبياء فلم يناد باسمه في القرآن قط بل يقول: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [الأحزاب:28] ."

و {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} [المائدة:67] .

و {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا} [المزمل:12] .

و {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1] .

مع أنه سبحانه قد قال: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة:35] .

{يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود:46] .

{يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} [هود:76] .

{يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ} [الأعراف:144] .

{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ} [ص:26] .

{يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ} [المائدة:110] .

وعلى هذا دلت الآية التي نحن بصددها الغرض الذي من أجله أوردناها وهو الذي يهمنا هنا لاحتمالها احتمالًا قويًا أو المتبادر إلى الفهم كما ذكر ابن القيم رحمه الله ولوجود مرجحات غير مجاورة ترجح هذا المعنى كما ذكر ابن كثير في تفسيره، ومرجحًا آخر متقدم ومجاور لهذه الآية يرجح هذا المعنى وهو قوله تعالى: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} [النور:62] كما أفاد الشهيد سيد قطب في تفسيره المسمى في ظلال القرآن إذ أن مناسبة الآية لما بعدها ليست أولى من مناسبتها لما قبلها إن وجدت وهنا وجدت.

يقول الشهيد سيد قطب:"ويلتفت إلى ضرورة توقير الرسول صلى الله عليه وسلم عند الاستئذان وفي كل الأحوال فلا يدعى باسمه يا محمد أو كنيته يا أبا القاسم كما يدعو المسلمون بعضهم بعضًا إنما يدعى بتشريف الله له وتكريمه يا نبي الله، يا رسول الله" [95] .

المبحث الثاني

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

شرع الله تعالى الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56] .

وقد شمل موضوع الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم حيزًا واسعًا في فكر العلماء وحياة المسلمين مما جعلني أعقد هذا المبحث للوصول إلى الحق فيه.

والأمر هنا يحتاج إلى بيان عدد من النقاط المتصلة بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي:

1ـ مفهوم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لغة واصطلاحًا.

2ـ حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

3ـ صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

4ـ مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

5ـ ثواب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

وسوف تأتي هذه المسائل وفق الترتيب المذكور فما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت