تعريف الصلاة لغة واصطلاحًا: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم غير الصلاة المفروضة التي هي الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، ولذلك كان تعريفها ضروريًا لتتضح حقيقتها المرادة من هذا المبحث.
وكما هو منهجي فإني أبدأ بالتعريف اللغوي وبعده يكون التعريف الاصطلاحي.
تعريف الصلاة لغة: يقول الجوهري:"الصلاة: الدعاء" [96] .
ويقول الفيروزآبادي:"الصلاة: الدعاء والرحمة الاستغفار" [97] .
ويقول صاحب مصباح المنير [98] :"الصلاة في اللغة مشتركة بين الدعاء والتعظيم والرحمة والبركة" [99] .
وإذا نظرنا إلى التعريفات السابقة للصلاة في اللغة نرى أن لها عدة معان، في الدعاء وبمعنى التعظيم وبمعنى الرحمة وبمعنى البركة.
وأمّا الصلاة في الاصطلاح الشرعي: فلا تخرج عن معاني اللغة المذكورة إذا قيدت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وبالتالي فمعناها باق على ما كان عليه في الاستعمال اللغوي.
وعلى هذا فلم يذكر العلماء تعريفًا لها عند كلامهم عن هذا الموضوع وإنّما جلّ كلامهم ينصب على التفريق بين صلاة الله وصلاة المخلوقين، ولكن نحاول هنا أن نذكر تعريفًا للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من خلال كلامهم. يقول الفيروزآبادي:"والصلاة حسن الثناء من الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم...." [100] .
ويقول الجرجاني بعد تعريفه الصلاة المكتوبة:"والصلاة أيضًا طلب التعظيم بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة" [101] .
والصلاة في تعريف الفيروزآبادي السابق يتضمن جانبًا واحدًا وهو إذا كانت الصلاة من الله عز وجل وأما جانب المخلوقين فلم يتعرض له ولهذا كان هذا التعريف ناقصًا.
وأما تعريف الجرجاني السابق فمعناه طلب التعظيم للرسول صلى الله عليه وسلم ولكن الطلب يمكن أن يكون طلب أمر وطلب دعاء.
وإذا كان الطلب أمرًا فيستقيم في حق الله تعالى، وأما إذا كان دعاءً فيستقيم في حق المخلوقين دون الله عز وجل لأن الدعاء طلب الإعانة من الغير وهذا محال على الله سبحانه وتعالى.
ويلاحظ أن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56] . يدل على أن الله سبحانه وتعالى، والملائكة يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم بحيث جمع الله صلاته وصلاة الملائكة في فعل واحد وبصيغة الأخبار وأمر المؤمنين بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم.
ولهذا فرّق العلماء بين معنى صلاة الله على النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى صلاة المخلوقين حتى يستقيم معنى الصلاة في حق الله عز وجل وحق ملائكته وحق المؤمنين.
ولإزالة هذا الإشكال ذكر العلماء أقوالًا عدة في بيان المعنى المراد من الصلاة على اختلاف فاعلها.
يقول أبو العالية:"صلاة الله عز وجل ثناؤه عليه وصلاة الملائكة عليه الدعاء" [102] .
ويقول الضحاك:"صلاة الله رحمته وصلاة الملائكة الدعاء" [103] .
ويقول الضحاك أيضًا:"صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الدعاء" [104] .
وإذا نظرنا إلى الأقوال السابقة الواردة في معنى الصلاة نرى أن الصلاة من الله على النبي صلى الله عليه وسلم هي الثناء والرحمة والمغفرة، وأمّا الصلاة من الملائكة فله معنى واحد وهو الدعاء إلا أن هذه الأقوال لا تسلم عن مقال ومآخذ إذ يترتب عليها وجود معنيين على الأقل في فعل واحد وفي استعمال واحد مع أنه أسند إلى الاثنين معًا.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله القولين الأخيرين من الأقوال السابقة في معنى الصلاة من جانب الله تعالى وجانب الملائكة وضعفهما وأسهب في ذلك حيث ذكر خمسة عشر وجهًا تدل على ضعفهما. ومن أحسن ما ضعفهما به قوله:"إن الله سبحانه وتعالى فرّق بين صلاته على عباده ورحمته فقال: {وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:155157] . فعطف الرحمة على الصلاة فاقتضى تغايرهما. هذا أصل العطف، وإن الله سبحانه فرّق بين صلاته وصلاة ملائكته وجمعهما في فعل واحد فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ...} [الأحزاب:56] . وهذه الصلاة لا يجوز أن تكون هي الرحمة وإنّما هي ثناؤه سبحانه وثناء ملائكته عليه، ولا يقال الصلاة لفظ مشترك ويجوز أن يستعمل في معنييه معًا لأنّ في ذلك محاذير متعددة" [105] .
ومن هنا نجزم بأنّ صلاة الله وصلاة الملائكة عليه صلى الله عليه وسلم في الآية التي نحن بصددها لها معنى واحد وهو الثناء عليه، وأمّا صلاتنا نحن عليه صلى الله عليه وسلم فهي طلب المزيد من الثناء من الله عز وجل طلب دعاء لا طلب أمر.