يقول تعالى: {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} [النساء:69] . كما أنه يترتب عليها الفوز العظيم في الدارين.
يقول تعالى: {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:71] .
ويقول الله تعالى أيضًا: {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ} [النور:52] كما أنها تكون سببًا لرحمة الله لقوله تعالى: {وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ} [التوبة:71] .
سلوك السلف في الاتباع: تعد الجماعة الأولى التي تلقت الدين وأخذته من رسول الله مباشرة خير من قام بما شرع لها من طاعة واتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم:"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" [16] .
وإنّي هنا أحاول إبراز بعض الصور التطبيقية للطاعة والاتباع لتكون أمثلة توضح ما شرع للمسلمين في هذا الجانب الهام. وسأجعل هذه الأمثلة مرتبة على النحو التالي:
أولًا: سلوكهم في الاتباع وهم جماعة: أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب:"لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منّا ذلك، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدًا منهم" [17] ."
وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على مدى إسراع الصحابة رضوان الله عليهم في تنفيذ أمره صلى الله عليه وسلم باذلين في ذلك أقصى الجهد.
ومنها ما أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إني اتخذت خاتمًا من ذهب فنبذه وقال: إنّي لن ألبسه أبدًا، فنبذ الناس خواتيمهم" [18] .
وهذا الحديث أيضًا يدل دلالة واضحة على مدى إسراع الصحابة رضوان الله عنهم في اتباع فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ولو لم يأمرهم بفعل ذلك الفعل وبدون أن يسألوا العلة في ذلك أو أنّ ذلك خاص به صلى الله عليه وسلم أو يعم الأمة جميعًا.
ومن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة وقد أمر أن يستقبل الكعبة"
فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة" [19] ."
وفي هذا الحديث يدل دلالة واضحة على مدى استجابة الصحابة لأوامر الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أثناء الصلاة دون تردد أو إبطاء وبدون استفسار أو تأخير.
ومن ذلك ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فصلوا بصلاته، فلمّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلمّا قضى الفجر أقبل على الناس ثم قال:"أمّا بعد فإنّه لم يخف عليّ مكانكم ولكنّي خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها"، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك [20] .
وهذا الحديث أيضًا يدل على أنّ الصحابة رضوان الله عنهم كانوا يحرصون على الاقتداء بالمصطفى صلى الله عليه وسلم في كل فعل من أفعاله إذا لم يكن هناك خصوصية حتى ولو لم يأمرهم بذلك الفعل.
وهذه النصوص التي ذكرناها نموذج لاستجابة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بفعله وتنفيذ أمره جماعة، ولكن هناك نصوص أخرى كثيرة تدل على ذلك يصعب حصرها في هذا المقام.
ثانيًا: ما يفيد أيضًا سلوك السلف في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فرادى: من ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عمر رضي الله عنه"أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: إنّي أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك" [21] .
وهذا الحديث يدل دلالة واضحة أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه صرح بأنّ تقبيله للحجر الأسود هو مجرد التأسّي بالنبي صلى الله عليه وسلم مع إيمانه ويقينه أنّه لا يضر ولا ينفع لذاته.
ومن ذلك ما أخرجه البخاري أيضًا في صحيحه عن مروان بن الحكم قال:"شهدت عثمان وعليًا رضي الله عنهما وعثمان ينهى عن المتعة [22] وأن يجمع بينهما فلمّا رأى علي أهل بهما لبيك بعمرة وحجة قال: ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد" [23] .