فهرس الكتاب

الصفحة 1086 من 3657

وهذا يدل على أنّ الصحابة رضي الله عنهم يقدمون سنة النبي صلى الله عليه وسلم على أي قول صدر من غيره مهما كانت رتبته كما فعل علي رضى الله عنه مع عثمان بن عفان رضي الله عنه في هذا الأمر الذي اختلفت وجهة نظرهما لأنّ عثمان بن عفان رضي الله عنه وإن كان أميرًا للمؤمنين آنذاك إلا أن اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق كل شيء.

ومن ذلك أيضًا ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن وبرة قال: كنت جالسًا عند ابن عمر فجاءه رجل فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ فقال: نعم. فقال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف فقال ابن عمر: فقد حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف [24] ، فبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن نأخذ أم بقول ابن عباس أن كنت صادقًا [25] .

وهذه أيضًا حادثة أخرى اختلفت فيها وجهة نظر الصحابة رضي الله عنهم ومضمونها يؤكد حرص صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ثبتت وترك قول أي أحد من الناس مهما كانت رتبته إذا كان ذلك القول يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا أنكر ابن عمر رضي الله عنهما على السائل حينما ذكر فتوى ابن عباس رضي الله عنه بعد إخباره ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام، ورحم الله الإمام مالك حينما قال:"ما من قول أحد إلا ويؤخذ قوله ويترك إلا صاحب ذلك القبر يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه القاعدة هي الفيصل في هذا الموضوع."

وأما المراجعات التي وقعت بينه صلى الله عليه وسلم وبين الصحابة رضوان الله عليهم في بعض الأمور أثناء حياته فلا يعتبر قدحًا في اتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنّ هذه المراجعات كانت مجرد استفسار لبعض الأمور التي لم يتضح لهم الغرض منها أو التبست عليهم أو لم يستسيغوها في أول الأمر ظنًّا منهم أنّهم لا يقدرون على تحملها غيرة للرسول صلى الله عليه وسلم وللإسلام لا للاستهزاء أو الانتقاص من توقير الرسول صلى الله عليه وسلم بخلاف ما كان يفعله المنافقون لعنهم الله تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء به وبرسالته والانتقاص من توقيره صلى الله عليه وسلم متسترين تحت ما أظهروا من الإسلام.

وقد قسّم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه المراجعات للرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقسام حيث قال:

"وبالجملة فالكلمات في هذا الباب ثلاثة أقسام: أحدهما: ما هو كفر مثل قوله: إنَّ هذه القسمة ما أريد بها وجه الله."

الثاني: ما هو ذنب ومعصية يخاف على صاحبه أن يحبط عمله، مثل رفع الصوت فوق صوته، ومثل مراجعة من راجعه عام الحديبية بعد ثباته على الصلح [26] ، ومجادلة من جادله يوم بدر بعد ما تبيّن له الحق [27] ، وهذا كله يدخل في المخالفة عن أمره.

الثالث: ما ليس من ذلك بل يحمد عليه صاحبه أو لا يحمد كقول عمر: ما بالنا نقصر الصلاة وقد آمنا [28] ؟ وكقول عائشة: ألم يقل الله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم:71] ، وكمراجعة الحباب في منزل بدر [29] .

ونحو ذلك ممّا فيه سؤال عن إشكال ليتبين لهم، أو عرض لمصلحة قد يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم" [30] ."

المقالة الأولى: من هذه الأقسام لم تصدر عن الصحابة رضوان الله عليهم وإنّما صدرت عن بعض المنافقين الذين كانوا مع الصحابة ظاهرًا لا باطنًا لأنّ هذه المقالة هي عين ما حكاه الله سبحانه وتعالى عنهم في كتابه كقوله تعالى: {وَمِنْهُم مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة:58] .

وأما المقالة الثانية: فقد صدرت من بعض الصحابة رضوان الله عليهم عن غفلة أو اجتهاد أو عن عجلة إلا أنهم لم يصرّوا على خطأهم وإنما تنازلوا عن رأيهم الذي رأوه إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إيمانًا منهم ويقينا أنّ ما ذهب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو الصواب.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"فهذه أمور صدرت عن شهوة وعجلة لا عن شك في الدين" [31] .

وأما المقالة الأخيرة: فقد صدرت من الصحابة أيضًا رضوان الله عليهم ولكنّها لا تعتبر ذنبًا ولا معصية أو مخالفة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنّما الاستفسار عن دين الله عز وجل وطلب المزيد من التفقه إيمانًا منهم بأنّ مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم هي التبيين لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44] كما أنّها صدرت منهم لأجل الإشارة لبعض الأمور إذا كان المقام يتطلب المشورة لأن الله تعالى يقول: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران:159] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت