فهرس الكتاب

الصفحة 1092 من 3657

يقول صاحب معجم مقاييس اللغة [1] :"الباء والدال والعين أصلان أحدهما ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر الانقطاع والكلال. فالأول قولهم: أبدعت الشيء قولًا أو فعلًا إذا ابتدائه لا عن مثال والله بديع السماوات والأرض [2] والعرب تقول: ابتدع فلان الركيّ إذا استنبطه وفلان بدع في هذا الأمر. قال الله تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ} [الأحقاف:9] أي ما كنت أول" [3] .

ويقول صاحب مصباح المنير [4] :"أبدعت الشيء وأبدعته: استخرجته وأحدثته ومنه قيل للحالة المخالفة بدعة وهي اسم من الابتداع كالرفعة من الارتفاع ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين أو زيادة... وفلان بدع في الأمر أي هو أول من فعله. فيكون اسم فاعل بمعنى مبتدع والبديع فعيل من هذا فكأن معناه هو منفرد بذلك من بين نظائره، وفيه معنى التعجب، ومنه قوله تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ} [الأحقاف:9] أي ما كنت أول من جاء بالوحي من عند الله تعالى وتشريع الشرائع بل أرسل الله تعالى الرسل قبلي مبشرين ومنذرين فأنا على هداهم.. [5] ."

ويقول ابن منظور:"بدع الشيء يبدعه بدعًا، وابتدعه: أنشأه وبدأه ويبدع الشيء الذي يكون أولًا وفي التنزيل: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ} [الأحقاف:9] أي ما كنت أول من أرسل قد أرسل قبلي رسل كثير.."

وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال والبديع من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء وإحداثه إيّاها وهو البديع الأول قبل كل شيء ومنه قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [البقرة: 117] أي خالقها ومبدعها فهو سبحانه المخترع لها لا عن مثال سابق" [6] ."

ونستنتج من هذه التعريفات اللغوية السابقة لكلمة البدعة ومشتقاتها أمرين اثنين:

أ) أنّ معناها يدور حول الاختراع والإحداث والابتداء والإنشاء وكلها معان متقاربة كما ترى.

ب) أنّ البدعة اللغوية تشمل المحدث المذموم والحسن لأن الأمر المخترع قد يترتب عليه مصلحة فيكون حسنًا، وقد يترتب عليه مفسدة فيكون مذمومًا.

ثانيًا: تعريف البدعة في اصطلاح أهل الشرع:

اختلفت أنظار العلماء في تحديد معنى البدعة. فمنهم من حددها بـ"ما أحدث في الدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من أطلقها على ما أحدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين وفي غيره من العادات."

ويمثل الفريق الأول ابن رجب الحنبلي [7] والشاطبي [8] والحافظ ابن حجر العسقلاني وغيرهم. بينما يمثل الفريق الآخر العز بن عبد السلام [9] والنووي وغيرهما.

وسوف أفصل تعريف كل فريق لنصل إلى التعريف المختار.

تعريف البدعة عند الفريق الأول: يقول ابن رجب الحنبلي في تعريف البدعة:"والمراد بالبدعة:"ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، أمّا ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا وإن كان بدعة لغة" [10] ."

وعرّف الشاطبي البدعة بتعريفين: الأول: هو أن البدعة عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه [11] .

والثاني: هو أنّ البدعة طريقة في الدين تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالشرعية" [12] ."

ويقول الحافظ ابن حجر في تعريف البدعة:"ما أحدث وليس له أصل في الشرع يسمى في عرف الشرع بدعة. وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة" [13] .

يظهر لنا مما تقدم أن تعريفات هذا الفريق تقيد البدعة بأمور ثلاثة:

أ) الإحداث في الدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ب) أن يقصد بها التقرب إلى الله.

ج) أن لا يدل عليها دليل شرعي.

وعلى هذا تكون البدعة اللغوية أعم لاشتمالها على ما أحدث في الدين وفي غيره بينما البدعة الشرعية لا تشمل إلا ما أحدث في الدين على وجه التقرب إلى الله مع عدم وجود الدليل الشرعي. ومن ثم فلا تكون البدعة في نظر هذا الفريق إلا مذمومة شرعًا بخلاف البدعة اللغوية ولا تدخل في العادات التي ليس لها شائبة التعبد.

يقول الشاطبي:"ثبت في الأصول الشرعية أنّه لا بد في كل عادي من شائبة التعبد، لأنّ ما لم يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي، فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبدي، والبيع والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات كلها عادي، لأن أحكامها معقولة المعنى ولا بد فيها من التعبد، إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها.."

وإذا كان كذلك فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد، فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من ذلك الوجه صح دخوله في العاديات كالعبادات وإلاّ فلا [14] .

ويقول ابن حجر العسقلاني:"فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة، فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودًا أو مذمومًا وكذا القول في المحدثة، والأمر المحدث" [15] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت