فهرس الكتاب

الصفحة 1093 من 3657

تعريف البدعة عند الفريق الثاني: يقول العز بن عبد السلام:"البدعة: هي فعل ما لم يعهد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة. والطريقة في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المباحات فهي مباحة [16] ثم ضرب أمثلة لكل نوع منها وهي على النحو التالي:"

والبدعة الواجبة مثل الاشتغال بالنحو، والبدعة المحرمة مثل الاشتغال بمذهب القدرية والجبرية، والبدعة المندوبة مثل جمع الناس في صلاة التراويح، والبدعة المكروهة مثل زخرفة المساجد، والبدعة المباحة مثل المصافحة عقب الصبح والعصر [17] .

ويقول النووي رحمه الله تعالى:"والبدعة بكسر الباء في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة" [18] .

وهذا الفريق يقيّد تعريف البدعة بقيد واحد وهو إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا فإن البدعة عندهم ليست مذمومة كلها، بل منها ما هو واجب يلزم فعله، ومنها ما هو حرام يلزم تركه، وما هو وسط بين هذا وذاك. حيث إنها تخضع للأحكام الشرعية الخمسة من وجوب، وحرام، ومندوب، ومكروه، ومباح، ومندوب.

وعلى هذا فإنّ البدعة عندهم تساوي البدعة اللغوية لأنها تشمل الحدث المذموم والحسن بخلاف الفريق الأول الذي يرى انحصارها في الحدث المذموم ومن ثم فإن النسبة بين الفريقين عموم وخصوص مطلق.

أدلة الفريقين: يستدل كلا الفريقين بأدلة تؤيد ما ذهب إليه ونذكر هنا طرفًا من أدلة كلا الفريقين مع بيان وجهة الاستدلال لكل منهما.

أولًا: أدلة الفريق الأول: هذا الفريق يستدل بالنصوص التي يفيد منطوقها ذم البدعة على وجه العموم.

1ـ من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"فإنّ خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" [19] .

أنّ قوله صلى الله عليه وسلم:"كل بدعة ضلالة"عام يفيد أن البدعة مذمومة كلها بغير استثناء نوع منها ولم يرد ما يخصص ذلك العموم، ولذلك فليس هناك بدعة حسنة بل كلها مذمومة شرعًا.

2ـ ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" [20] أي: مردود.

ووجه الاستدلال بهذا الحديث هو: أنّ الإحداث في الدين أمر مردود مهما كان ذلك الإحداث صغيرًا أو كبيرًا لأنّ الإحداث في الدين بدعة، ومن ثم فلا يوجد بدعة حسنة.

3ـ ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمر وإن عبد حبشي فإنّه من يعش منكم ير اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنّها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" [21] .

ووجه الاستدلال بهذا الحديث هو أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد حذر من المحدثات ووصفها بأنّها بدعة كما وصف البدعة بأنّها ضلالة على وجه العموم، وهذا يقتضي أنّه ليس هناك بدعة حسنة وأخرى قبيحة بل كلها قبيحة.

ثانيًا: أدلة الفريق الثاني: يستدل هذا الفريق بأدلة نوجزها فيما يلي:

1ـ قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلاة التراويح بعد ما جمعهم على أبي بن كعب رضي الله عنه:"نعمت البدعة" [22] .

ووجه الاستدلال بهذا القول هو أن عمر رضي الله عنه قد سمى صلاة التراويح بدعة مع إقراره بل بأمره ذلك.

وهذا يدل على أنه يقصد بها البدعة الحسنة لا القبيحة ومن ثمّ فإن البدعة تنقسم إلى حسنة وقبيحة.

2ـ قوله صلى الله عليه وسلم:"من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فيعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة وعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء" [23] .

ووجه الاستدلال بهذا الحديث هو أنه إذا أحدث أحد شيئًا حسنًا يثاب عليه وأنّه غير مذموم وكذلك العكس وبالتالي هناك اختراع حسن وأخرى غير حسن ومن ثم البدعة تنقسم إلى حسنة وقبيحة.

3ـ قول ابن مسعود رضي الله عنه:"فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ" [24] .

ووجه الاستدلال بهذا الأثر هو أنّه ما فعل المسلمون واستحسنوه لا يكون مذمومًا بشرط أن لا يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع. وعلى هذا فلا يعتبر البدعة كلها قبيحة بل منها ما هو حسن.

وخلاصة القول: أنّ طريقة الفريق الأول مبنية على ثلاثة أمور:

1ـ البدعة حقيقة فيما لم يفعل في الصدر الأول ولم يكن له أصل من أصول الشرع ومجاز في غير ذلك.

2ـ أنّ جميع ما ورد في ذم البدع من نحو قوله صلى الله عليه وسلم:"كل بدعة ضلالة" [25] باق على عمومه.

3ـ القول بأنّ البدع لا تدخل إلاّ في العاديات التي لا بد فيها من التعبد.

وأمّا طريقة الفريق الثاني فهي مبنية على أمور ثلاثة أيضًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت