1ـ أنّ البدعة حقيقة فيما لم يفعل في الصدر الأول كان له أصل من أصول الشرع أم لا.
2ـ أنّ جميع ما ورد في البدع من نحو قوله صلى الله عليه وسلم:"إن كل بدعة ضلالة" [26] عام مخصوص.
3ـ القول بأن جميع المخترعات من العاديات ولو لم يلحقها شائبة تعبد تلحق بالبدع وتصير كالعبادات المخترعة) [27] .
مناقشة الأدلة والترجيح: نبدأ بمناقشة أدلة الفريق الثاني ثم نتبعها بأدلة الفريق الأول: أولًا: استدلالهم بقول عمر رضي الله عنه:"نعمت البدعة"، ليس بدليل لهم لعدة أمور:
1ـ أن صلاة التراويح جماعة ليست بدعة شرعية بل صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته جماعة عدة ليالي ثم بعد ذلك تركها مخافة أن تفرض عليهم ثم لا يطيقوها. ومما يدل على ذلك ما أخرجه الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس يتحدثون بذلك فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال:"أما بعد فإنّه لم يخف عليّ مكانكم ولكنّي خشيت أن تفترض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها" [28] وفي رواية وذلك في رمضان.
وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم ترك صلاة التراويح جماعة مخافة أن تفرض عليهم وقد زال ذلك الخوف بموته صلى الله عليه وسلم فلا مانع أن يرجع الأمر كله إلى ما كان عليه وهو أن يصلى بها جماعة.
2ـ أنّ صلاة التراويح جماعة تدخل في ضمن سنة الخلفاء الراشدين، وبالتالي فهي سنة سنّها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقوله صلى الله عليه وسلم"... وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين..." [29] .
3ـ إن عمر رضي الله عنه أمر ذلك بمرأى ومسمع من الصحابة رضوان الله عليهم ولم ينقل من عارض ذلك.
وعلى هذا فلا يكون قول عمر رضي الله عنه دليلًا لهذا الفريق ولكن يبقى لماذا سمى عمر هذا الفعل بدعة؟ وقد أوّل العلماء هذا القول بعدة تأويلات وأحسنها هو أن يقصد بها البدعة اللغوية لاشتمالها البدعة السيئة والبدعة الحسنة.
يقول ابن تيمية رحمه الله في هذا المقام:"ما سمي بدعة وثبت حسنه بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم إمّا أن يقال ليس ببدعة في الدين وإن كان يسمى بدعة في اللغة كما قال عمر: نعمت البدعة، وإما أن يقال هذا عام خصت منه هذه الصورة لمعارض راجح كما يبقى عداها على مقتضى العموم كسائر عمومات الكتاب والسنة" [30] .
ويقول أيضًا:"أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة أي صلاة التراويح جماعة مع حسنها، وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وذلك أنّ البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق، وأمّا البدعة الشرعية فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي" [31] .
ثانيًا: استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم:"من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها....".
ليس بدليل لهم لأن معناه هو من أحيا سنة من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فله ثوابها وثواب من اتبعه بها كما يدل عليه سبب حديث جرير بن عبد الله حيث قال:"جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصرف [32] فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة فأبطأوا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه قال: ثم إنّ رجلًا من الأنصار جاء بصرة من ورق ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من سنّ في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء" [33] ."
وهذا يدل على أن الغرض من ذلك إحياء ما ثبت في الإسلام، وهنا الصدقة وليس ابتداع شيء لا أصل له في الشريعة الإسلامية.
وهناك حديث آخر يفسر هذا الحديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"من أحيا سنّة من سنن قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئًا" [34] .