فهرس الكتاب

الصفحة 1095 من 3657

ثالثًا: وأمّا قول ابن مسعود رضي الله عنه:"فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" [35] فهو أثر موقوف على ابن مسعود وليس بحجة، وأما على فرض حجته فليس المراد جنس المسلمين الصادق بالمجتهد وغيره لاقتضائه أن كل ما رآه آحاد المسلمين حسنًا فهو حسن، وكذلك العكس، كما أنه يقتضي كون العمل الواحد حسنًا عند البعض الآخر لا يصح التقرب به إلى الله تعالى قبيحًا عند البعض الآخر لا يصح التقرب به إليه، وهو باطل [36] .

وعلى هذا يحمل معنى هذا الأثر على ما اجتمعت عليه الأمة لعصمتها من الإجماع على ضلال، والإجماع حجة لاستناده إلى دليل شرعي، وعلى هذا فلا يوجد دليل واحد يدل إلى ما ذهبوا إليه وأنّ الأمثلة التي ذكروها للبدعة الحسنة والقبيحة تدخل تحت ما يناسبها من القواعد الشرعية.

وأما أدلة الفريق الأول: فهي مقبولة ومسلمة من ناحية ثبوتها ومن ناحية الاستدلال معًا، وبالتالي فلا تحتاج إلى مناقشة.

وعلى هذا نرجّح ما ذهب إليه الفريق الأول وهو أن البدعة لا تكون إلاّ مذمومة لعموم النصوص التي وردت في ذم البدعة شرعًا ولعدم وجود ما يخصص ذلك، وبالتالي ليست مقسمة إلى حسنة وقبيحة.

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله مؤيدًا ذلك:"إنّه قد ثبت في الأصول العلمية أنّ كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أصولية أو فروعية، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص مع تكرارها، وإعادة تقررها فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم كقوله تعالى: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [النجم:3839] وما أشبه ذلك..."

فما نحن بصدده من هذا القبيل. إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال المختلفة أنّ كل بدعة ضلالة وأنّ كل محدثة بدعة وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أنّ البدع مذمومة ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم خلاف ظاهر الكلية فيها، فدل ذلك دلالة واضحة على أنّها على عمومها وإجمالها" [37] وأمّا البدع المنقسمة إلى حسنة وقبيحة فهي البدعة اللغوية المتعلقة بالاختراعات وبأمور المعاش ووسائله ومقاصده [38] ، فما كان ضارًا فنترك، وما كان نافعًا فنفعل ونستعمل."

وكل هذه أمور تدخل تحت ما فرضّه لنا الشارع بقوله صلى الله عليه وسلم:"أنتم أعلم بأمور دنياكم..." [39] .

هذا ما يتعلق بالبدعة الحقيقة وأما البدعة الإضافية فهي كما ذكر الشاطبي رحمه الله التي لها شائبتان: إحداهما لها من الأدلة متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة، والأخرى ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية. فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضعنا له هذه التسمية"البدعة الإضافية"أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لأنها مستندة إلى دليل، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى دليل.

والفرق بينهما من جهة المعنى، أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم، ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها مع أنها محتاجة إليه لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة [40] .

ومثال ذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان جهرًا مع أن الشارع طلب منا ذلك سرًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلّوا عليّ، فإن من صلّى عليّ مرة صلى الله عليه بها عشرًا..." [41] .

والبدعة تدخل من جهة الكيفية لا من جهة أصل مشروعية ذلك، ومن ثم تأخذ حكم البدعة الحقيقية بحسب قربها لها أو بعدها منها.

يقول الشاطبي رحمه الله:"فقلما تختص أي البدعة الحقيقية بحكم دون الإضافية بل هما معًا يشتركان في أكثر الأحكام إلا أن الإضافية على ضربين: أحدهما: يقرب من الحقيقة حتى تكاد البدعة تعد حقيقية."

والآخر: يبعد منها حتى يكاد يعد سنة محضة [42] .

الفصل الثاني

البدع الملحقة بمولده صلى الله عليه وسلم

يقصد بالمولد تلك الاحتفالات التي تقام في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول من كل عام، وهو اليوم الذي ولد فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم على أرجح الأقوال.

ولذا كان الاحتفال المذكور، أحياء لذكراه عليه الصلاة والسلام وإظهارًا للفرح بمولد نبي الثقلين كما يقول المحتفلون.

وفي ذلك اليوم يقرأ المحتفلون أورادًا كثيرة ويتذاكرون سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنّهم يقومون بجانب ذلك بأعمال كثيرة مثل الذبح وإعداد الطعام للمجتمعين وللتوزيع على الفقراء حتى أصبح ذلك اليوم يوم أكل وشرب مثل يومي العيد الفطر والأضحى أو أكثر.

وقد يتوسع بعضهم في ذلك الاحتفال حتى أنه يقام من بداية شهر ربيع الأول ويستمر إلى اليوم الثاني عشر أو إلى نهاية الشهر أو يقام في كل يوم الاثنين أو يوم الجمعة من كل أسبوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت