فهرس الكتاب

الصفحة 1096 من 3657

يقول الشيخ علي محفوظ:"الموالد هي الاجتماعات التي تقام لتكريم الماضين من الأنبياء والأولياء والأصل فيها أن يتحرى الوقت الذي ولد فيه من يقصد بعمل المولد وقد يتوسع فيها حتى تتكرر في العام الواحد" [43] .

ونتحدث في هذا الفصل عن ذلك اليوم وما يفعل فيه من الأعمال مع عرض كافة الآراء بأدلتها ومناقشتها بموضوعية وحياد كاملين ليظهر الحق بدليله ويزهق الباطل بمزاعمه وأوهامه وليعيش الناس مع الإسلام عن بينة ووضوح.

وسوف يتكون هذا الفصل من مبحثين:

المبحث الأول: تحديد وقت الاحتفال بالمولد ونشأته.

المبحث الثاني: حكم الاحتفال بالمولد.

المبحث الأول

تحديد وقت الاحتفال بالمولد ونشأته

تحديد وقت الاحتفال بالمولد مرتبط بتحديد الوقت الذي ولد فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم لأنّ ذلك الاحتفال يقصد به إحياء ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم كما قلنا آنفًا.

ومعنى ذلك أنّ ذلك الاحتفال يخضع للاختلاف الوارد في تحديد وقت ولادته صلى الله عليه وسلم ولكن الذي لا جدال فيه أنّه ولد في يوم الاثنين للحديث الصحيح الذي ورد في هذا الشأن وأمّا ما عدا ذلك فمختلف فيه.

أخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال:"فيه ولدت وفيه أنزل عليّ" [44] .

وقد ذكر ابن كثير رحمه الله الخلاف الوارد في ذلك في كتابه السيرة النبوية قائلًا:

"أنّ ذلك كان في شهر ربيع الأول، فقيل لليلتين خلتا منه.. وقيل لثمان خلون فيه. وقيل لعشر خلون منه.. وقيل لاثنتي عشر خلت منه.." [45] .

ولأجل هذا الخلاف كان الملك المظفر صاحب إربل [46] يحتفل بالمولد الشريف مرة في ثامن شهر ربيع الأول ومرة في الثاني عشر منه [47] ولكن المشهور هو أنّه ولد في يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول وهو الراجح.

يقول ابن كثير بعد نقله هذا القول:"وهذا هو المشهور عند الجمهور والله أعلم" [48] .

وأمّا ما ذكر من أنّه ولد في رمضان أو في يوم الجمعة وفي غيرهما فغير صحيح كما ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى.

وأمّا نشأة الاحتفال بالمولد الشريف فمختلف فيه أيضًا بين العلماء، فمنهم من يقول إنّ الاحتفال بدأ في القاهرة أيام الدولة الفاطمية، ومنهم من يقول إنّ ذلك قد أحدثه الملك مظفر صاحب إربل بإربل في آخر القرن السادس أو أوائل القرن السابع.

الأقوال التي تؤيد القول الأول: يقول المقريزي:"كان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم وهي: موسم رأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي صلى الله عليه وسلم ومولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومولد الحسن ومولد الحسين رضي الله عنه ومولد فاطمة الزهراء رضي الله عنها ومولد الخليفة الحاضر" [49] .

ويقول القلقشندي عند كلامه عن جلسات الخلفاء الفاطميين:"الجلوس الثالث جلوسه في مولد النبي صلى الله عليه وسلم في الثاني عشر من شهر ربيع الأول وكان عادتهم فيه أن يعمل في دار الفطرة عشرون قنطارًا من السكر الفائق حلوى من طرائف الأصناف وتعبأ ثلاثمائة صينية نحاس فإذا كان ليلة ذلك المولد تفرق في أرباب الرسوم كقاضي القضاة وداعي الدعاة وقراءة الحضرة..." [50] .

ويفهم من كلام المقريزي وكلام القلقشندي أنّ الفاطميين كانوا يعملون الاحتفال بالمولد النبوي وغير ذلك من الموالد وإن لم يصرحا بأنّهم أول من أحدث ذلك ولكن صرح في ذلك حسن السندوبي في كتابه تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي قائلًا:"لقد دلني البحث والتنقيب والتحري والاستقصاء على أن الفاطميين هم أول من ابتدع فكرة الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف وجعلوه من الأعياد العامة في كل أمة من الأمم الإسلامية كما ابتدعوا غيره من الاحتفالات الدورية التي عدّت من مواسمها، وكذلك صرفوا الكثير من اهتمامهم إلى إحياء ما يكون معروفًا من المواسم والأعياد قبل الإسلام" [51] .

وممن ذهب إلى القول الثاني السيوطي حيث يقول:"أول من أحدث فعل ذلك الاحتفال بالمولد صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبوري بن زين الدين بن علي بن بكتكين أحد ملوك الأمجاد والكبراء الأجواد وكان له آثار حسنة" [52] .

وتبعه في ذلك محمد رشيد رضا صاحب المنار حيث يقول:"إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف قد صار عادة عامة، والمشهور أنّ المحدث لها هو أبو سعيد كوكبوري بن أبي الحسن علي بن بكتكين التركماني الجنس الملقب بالملك العظيم مظفر الدين صاحب إربل أحدثها في أوائل القرن السابع أو أواخر القرن السادس فإن السلطان صلاح الدين ولاّه على إربل في ذي الحجة سنة 580 هـ" [53] .

وهذان القولان هما المشهوران في الموضوع الذي نحن بصدده ولم أقف على أقوال أخر تتعلق بهذا الموضوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت