فهرس الكتاب

الصفحة 1097 من 3657

وقد ذهب بعض العلماء إلى التوفيق بين الرأيين: يقول الشيخ علي محفوظ:"أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون في القرن الرابع فابتدعوا ستة موالد: المولد النبوي، ومولد الإمام علي رضي الله عنه ومولد فاطمة الزهراء رضي الله عنها ومولد الحسن والحسين رضي الله عنهما ومولد الخليفة الحاضر. وبقيت الموالد على رسومها إلى أن أبطلها الأفضل أمير الجيوش ثم أعيدت في خلافة الآمر بأحكام الله في سنة أربع وعشرين وخمسمائة بعدما كاد الناس ينسونها، وأول من أحدث المولد النبوي بمدينة إربل الملك المظفر أبو سعيد في القرن السابع، وقد استمر العمل بالمولد إلى يومنا هذا وتوسع الناس فيها وابتدعوا بكل ما تهواه أنفسهم وتوحيه شياطين الإنس والجن" [54] .

وذهب إلى ذلك أيضًا الدكتور عزت عطية حيث يقول:"وأول من أحدثه بالقاهرة المعز لدين الله الفاطمي سنة 362هـ ودام الاحتفال به إلى أن أبطله أمير الجيوش بدر الدين الجمالي سنة 488هـ في عهد المستعلي بالله، ولمّا ولي الخلافة الآمر بأحكام الله ابن المستعلي أعاد الاحتفال في سنة 495هـ وأول من أحدث هذا الاحتفال بإربل الملك المظفر أبو سعيد في القرن السادس أو السابع [55] . ويفهم من كلامهما أنّ الابتداء نسبي بحيث أن الفاطميين هم أول من أحدث ذلك الاحتفال بالنسبة لمدينة القاهرة، وأما بالنسبة لإربل فصاحب إربل الملك المظفر هو أول من أحدث فيها ولكن أرجح الأقوال هو الأول الذي يقول بأنّ الفاطميين هم الذين أحدثوا ذلك ولم يسبقهم أحد في ذلك بل انتشرت من عندهم إلى البلاد الإسلامية."

والذي يؤيد ذلك أنّ الدولة الفاطمية قد سقطت قبل وجود الملك المظفر صاحب إربل وبالتحديد سنة 567 هـ [56] وكذلك صاحب إربل نفسه لم يبتدع ذلك الاحتفال بالمولد بل اقتدى بالشيخ عمر الملا [57] .

يقول أبو شامة:"وكان أول من فعل ذلك أي الاحتفال بالمولد الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيره رحمهم الله تعالى [58] ."

وخلاصة القول أنّ الاحتفال بالمولد النبوي لم يكن معروفًا في القرون الثلاثة الأولى التي شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهلها بالخيرية بقوله:"خير الناس قرني في ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم..." [59] .

وإنّما بدأ ذلك في النصف الأخير من القرن الرابع الهجري على يد أحد ملوك الفاطميين وهو المعز لدين الله.

والغرض من ابتداع الاحتفال بالمولد النبوي هو جذب قلوب العامة إلى الدولة الفاطمية الجديدة في مصر كما جزم غير واحد.

يقول السندوني:"ولمّا استقر له الحكم أي المعز لدين الله أخذ يفكر في الوسائل الكفيلة باستمالة القلوب، وامتلاك النفوس، واستثارة العواطف حتى تألف الأمة المصرية تصرفات هذه الحكومة الجديدة وترضى عن سياستها في إدارة البلاد، ولمّا كانت الميول العامة لطبقات الأمة المصرية متجهة إلى حب آل بيت الرسول مع الاعتدال في التشيع لهم... رأى المعز لدين الله أنّ أقرب الأسباب للوصول إلى أغراضه من هذا الميل العام الالتجاء إلى الأمور التي تمت بصلة إلى المظهر الديني، فهداه تفكيره إلى أن يقرر إقامة مواسم حافلة وأعياد شاملة في مواعيد مقررة وكان من أولها وأجلّها وأفضلها الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف" [60] .

وبجانب هذه المناسبات والأعياد الدينية فقد كان الخلفاء الفاطميون يشتركون في الاحتفالات التي تقام للأعياد الأخرى مثل عيد الميلاد عند الأقباط في مصر وغيرها من الأعياد والمواسم للغرض نفسه حتى ينالوا رضاء أهل الملل المختلفة القاطنين في مصر.

يقول د. حسن إبراهيم حسن وصاحبه في كتابهما"المعز لدين الله":"وكان الفاطميون يتخذون هذه الأعياد وسيلة لجذب الرعايا إليهم، لذلك شارك المعز القبط في الاحتفال بعيد الميلاد وغيرها" [61] .

ومن هنا نقول إنّ إحداث الاحتفال بالمولد النبوي من قبل الخلفاء الفاطميين كان لغرض سياسي بحت دون النظر إلى دوافع دينية أو اعتبارات أخرى بل الغرض الوحيد هو كسب احترام رعايا المسلمين في مصر كما كانوا يعملون مع رعايا غير المسلمين هناك بحيث يشتركون معهم في احتفالاتهم التي ليست لها صلة بالدين.

وهذه سمة عامة الخلفاء الفاطميين منذ أن نشأت دولتهم في مصر عام 357هـ إلى أن سقطت في سنة 5670هـ وإن كان فيهم من أبطل الاحتفال بالمولد النبوي وغيره من الموالد فترة مثل الأفضل أمير الجيوش في سنة 488هـ ولكن أعيد الاحتفال في عهد الآمر بأحكام الله في سنة 495 هـ وبعد ذلك استمر إلى يومنا هذا. وقد أصبح ذلك اليوم في بعض البلاد عيدًا رسميًا حيث تعطل المصالح الحكومية والشركات والمؤسسات وتقفل المدارس وتقام حفلات هائلة وتعمل إنارة الطرقات وتزيينها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت