وهذا سوء الأدب بعينه مع الله ومع رسوله صلى الله عليه وسلم وإن لم يقصد بذلك وحسنت نيته لأنّ حسن النية لا يحلل حرامًا ولا يحرم حلالًا كما أنها لا يكون مبررًا لزيادة في دين الله أو النقصان منه لأنّ المرجع في كل ما يتعلق بأمر الدين هو كتاب الإله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وعلى المسلم أن يراعي ذلك الجانب حتى لا يقع في منزلق لا يحمد عقباه وأن ينظر ما يتقرب به إلى الله قبل أن يقدم عليه فيعرف سنده من الكتاب والسنة عملًا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات:1] .
الفصل الثالث
البدع الملحقة بمسجده صلى الله عليه وسلم
من المعلوم أنّ المسجد النبوي الشريف هو أول مسجد بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد وصوله إياها مهاجرًا وله فضائل كثيرة يشترك فيها معه المسجد الحرام والمسجد الأقصى وأخرى خاصة به، ولكنّ الناس ابتدعوا أمورًا يفعلونها في المسجد النبوي تقربًا إلى الله تعالى في ظنهم وتأدبًا مع الرسول صلى الله عليه وسلم كما يزعمون بناء على أدلة واهية لا تثبت بمثلها الأحكام أو على استحسان منهم دون الرجوع إلى أدلة الشرع من الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
وكثير من هذه المبتدعات من وضع أعداء الإسلام الذين يقصدون تشويه الحق، وصرف المسلمين عن التدين الصادق الذي يجعل التوجه كله لله عبودية واستقامة. وبذلك يتوصلون إلى صرف الناس إلى الانغماس في اللهو والبدع بلا فائدة.
وبجانب فعلهم هذه المنكرات في المسجد النبوي الشريف فإن المبتدعين يرمون من ينهاهم عن هذه الأفعال بأنه لا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لقيامه بواجبه الذي كلف به من قبل الله سبحانه وتعالى وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح الذي هو لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم.
وهذا ما سوف نبينه في هذا الفصل الذي يتكون من مبحثين:
المبحث الأول: فضائل المسجد النبوي.
المبحث الثاني: ما يفعله الجهّال من البدع في مسجده صلى الله عليه وسلم.
وذلك فيما يلي:
المبحث الأول
فضائل المسجد النبوي
للمسجد النبوي الشريف على صاحبه أفضل الصلاة والسلام فضائل كثيرة منها ما يشترك فيها مع المسجد الحرام بمكة والمسجد الأقصى، ومنها ما هو خاص به.
أمّا الفضائل المشتركة: فمنها مشروعية شد الرحال إليه لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى" [88] .
وهذه فضيلة مشتركة بين المساجد الثلاثة كما يفيد منطوق الحديث ولا تتعدى هذه الفضيلة إلى غير هذه الثلاثة المنصوصة في الحديث كما جزم بذلك العلماء.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره هذا الحديث:"فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف من الأعمال الصالحة، وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم حتى مسجد قباء يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة ولا يشرع شد الرحال إليه" [89] .
ومن تلك الفضائل مضاعفة ثواب الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:"صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلاّ المسجد الحرام" [90] .
هذه الفضيلة ثابتة للمسجد النبوي الشريف بنص الحديث، لكنّ استشكل العلماء حول المراد من هذا الاستثناء، هل هو أن الصلاة في المسجد النبوي أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون الألف أم أنّ الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في المسجد النبوي الشريف.
وممن قال بالقول الأول: الإمام مالك وطائفة من العلماء: وأمّا الإمام الشافعي وجماهير العلماء، فقد ذهبوا إلى الثاني.
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى عند شرحه هذا الحديث:"اختلف العلماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيتهما أفضل، ومذهب الشافعي وجماهير العلماء أنّ مكة أفضل من المدينة وأنّ مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة، وعكسه مالك وطائفة."
فعند الشافعي والجمهور معناه إلاّ المسجد الحرام فإنّ الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجدي، وعند مالك وموافقيه إلا المسجد الحرام فإنّ الصلاة في مسجدي تفضله بدون الألف" [91] ."
وكلا التأويلين محتمل إذا لم نجد من الخارج ما يرجح أحدهما من الآخر كما أنّ هناك تأويلًا ثالثًا محتملًا وهو أنّ الصلاة فيهما سواء.