فهرس الكتاب

الصفحة 1103 من 3657

وقد ذكر ابن حزم الظاهري التأويل الثالث عند ذكره هذا الحديث حيث قال:"تأوّلوا أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجد مكة بدون الألف، وقلنا نحن: بل هذا الاستثناء أنّ الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد المدينة، ثم قال: فكلا التأويلين محتمل نعم وتأويل ثالث وهو المسجد الحرام فإنّ الصلاة في كليهما سواء ولا يجوز المصير إلى أحد هذه التأويلات دون الآخر إلاّ بنص آخر وبطل أن يكون في هذا الخبر بيان فضل المدينة على مكة" [92] .

ممّا سبق يتضح لنا أن التأويلات الثلاثة محتملة ولكن تأويل الجمهور هو الأصح لثبوت ما يرجح ذلك وهو الحديث الذي في مسند الإمام أحمد رحمه الله عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا" [93] .

ومن العلماء من صحّح هذا الحديث ومنهم من حسّنه فمن الأولين ابن حزم الظاهري حيث قال:"حديث ابن الزبير صحيح فارتفع الإشكال" [94] .

ومن الفريق الثاني النووي حيث قال:"حديث حسن رواه أحمد بن حنبل في مسنده" [95] .

وسواء قلنا أنّ هذا الحديث الذي نحن بصدده صحيح أو حسن فلا يخرج من دائرة الاحتجاج به والغرض الذي من أجله أوردناه وهو ثبوت أفضلية مسجد مكة على مسجد المدينة وكذلك مضاعفة ثواب الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم وهو ما يهمنا في هذا المقام، وإن اشترك في ذلك المسجد الحرام وزاد عليه.

ومن تلك الفضائل كونه حرمًا مثل المسجد الحرام لدخوله في حدود حرم المدينة المنورة التي حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"إنّ إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها [96] ولا يصاد صيدها [97] ."

وبقوله صلى الله عليه وسلم:"المدينة حرم ما بين عير إلى ثور..." [98] .

هذان الحديثان يحددان لنا حدود حرم المدينة المنورة بحيث أنّ الحديث الأول يحدد الحرم من ناحية العرض وأنه يقع ما بين لابتي المدينة وهما الحرتان الوبرة والواقم أولاهما تقع في غرب المدينة وثانيهما تقع في شرق المدينة.

يقول الدكتور/محمد حسن هيكل:"تحد هذه الحرة وهي الواقم المدينة من الشرق وتحدها حرة الوبرة بن الغرب" [99] .

وأما الحديث الثاني فيحد لنا حرم المدينة المنورة من جهة الطول بحيث يقع الحرم ما بين عير إلى ثور وهما أي عير وثور جبلان يقع أولاهما جنوب المدينة وثانيهما يقع في شمال المدينة.

يقول عبد القدوس الأنصاري:"عير وثور اسما جبلين من جبال المدينة أولهما عظيم شامخ يقع بجنوبي المدينة على مسافة ساعتين عنها تقريبًا بسير الأقدام غير المستعجل، وثانيهما أحمر صغير يقع شمال أحد، ويحدان حرم المدينة جنوبًا وشمالا" [100] .

وعلى هذا فيدخل جبل أحد في حدود حرم المدينة المنورة.

يقول صاحب [101] حسن التوسل في آداب زيارة أفضل الرسل عند تحديده حرم المدينة:"وحرمها من عير بفتح العين المهملة إلى ثور طولا، وثور جبل صغير خلف أحد وعرضا ما بين لابتيها، واللابتان الحرتان السود" [102] .

وخلاصة القول أن حرم المدينة المنورة تحده من الشرق الواقم ومن الغرب الوبرة ومن الجنوب جبل يسمى عيرًا ومن الشمال جبل يسمى ثور وهو غير ثور الذي بمكة على الأصح خلافًا لمن نفى ذلك عن المدينة كأبي عبيد القاسم بن سلام ومن تبعه في ذلك كالزمخشري حيث قال:"هما جبلان بالمدينة وقيل لا يعرف بالمدينة جبل يسمى ثورًا وإنما ثور بمكة ولعل الحديث ما بين عير إلى أحد" [103] .

وهذا وهم منهم كما جزم غير واحد من العلماء.

يقول الفيروزآبادي:"ثور جبل بالمدينة ومنه الحديث الصحيح:"

"المدينة حرم ما بين عير إلى ثور" [104] ، وأمّا قول أبي عبيد القاسم بن سلام وغيره من أكابر الأعلام أنّ هذا تصحيف والصواب إلى أحد لأنّ ثورًا إنما هو بمكة فغير جيّد" [105] ."

هذا ما يتعلق بالفضائل المشتركة بين المسجد النبوي الشريف وبين المسجد الحرام أو المسجد الأقصى. وأمّا الفضيلة الهامة التي يختص بها المسجد النبوي فهي الروضة التي بين بيته ومنبره صلى الله عليه وسلم حيث وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها روضة من رياض الجنة في الحديث الذي أخرجه الشيخان عن عبد الله بن زيد المازني أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" [106] .

وفي رواية:"ما بين قبري ومنبري" [107] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت