فهرس الكتاب

الصفحة 1104 من 3657

والرواية الثانية: لا تصح وإنما هي رواية بالمعنى كما جزم ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره هذا الحديث حيث قال:"هذا هو الثابت الصحيح ولكنّ بعضهم رووه بالمعنى فقال:"قبري"وهو صلى الله عليه وسلم حين قال هذا القول لم يكن قد قبر صلى الله عليه وسلم. ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة حينما تنازعوا في موضع دفنه، ولو كان هذا عندهم لكان نصًا في محل النزاع ولكن دفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه" [108] .

وعلى هذا لا نحتاج إلى تكلف في الجمع بين الروايتين كما فعل الطحاوي في مشكل الآثار بل وعده من علامات النبوة قائلًا:"في هذا الحديث معنى يجب أن يوقف عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" [109] ."

على أكثر ما في هذه الآثار وعلى ما في سواه منها:"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" [110] فكان تصحيحها يجب به أن يكون بيته هو قبره وكون ذلك علامة من علامات النبوة جليلة المقدار لأنّ الله عز وجل قد أخفى على كل نفس سواه الأرض التي يموت بها لقوله عز وجل: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان:34] فأعلمه الموضع الذي يموت فيه والموضع الذي فيه قبره حتى علم بذلك في حياته وحتى أعلمه من أعلمه من أمته فهذه منزلة لا منزلة فوقها زادها الله شرفًا وخيرًا" [111] ."

وخلاصة القول: أن هذه الفضيلة ثابتة لا يشترك فيها غيره من المساجد ولكنّ العلماء اختلفوا في معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"روضة من رياض الجنة" [112] .

هل هذه البقعة بعينها من الجنة أم أن العمل فيها يؤدي إلى دخول الجنة؟.

يقول القاضي عياض رحمه الله تعالى: "قوله:"روضة من رياض الجنة" [113] يحتمل معنيين:"

أحدهما: أنه موجب لذلك وأنَّ الدعاء والصلاة فيه يستحق ذلك من الثواب.

الثاني: أنّ تلك البقعة قد ينقلها الله فتكون في الجنة بعينها" [114] ."

والمعنى الأول هو الأولى وهو المعنى الذي أيده ابن حزم وذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني. يقول ابن حزم رحمه الله:"وهذا الحديث ليس على ما يظنه أهل الجهل من أنّ تلك الروضة قطعة منقطعة من الجنة، هذا كذب وباطل لأنّ الله يقول في الجنة: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} [طه:118119] . فهذه صفة الجنة بلا شك، وليست هذه صفة الروضة، ورسول الله لا يقول إلا الحق، فصح أن تكون تلك الروضة من الجنة إنما هو لفضلها وأن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة" [115] .

ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله:"إنه كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة وحصول السعادة بما يحصل من ملازمة حلق الذكر، لا سيما في عهده صلى الله عليه وسلم فيكون تشبيهًا بغير أداة، أو المعنى أن العبادة فيه تؤدي إلى الجنة فيكون مجازًا" [116] .

المبحث الثاني

ما يفعله الجهال من البدع في مسجده صلى الله عليه وسلم

كثير من الناس يفعلون أمورًا منكرة لا أساس لها من الدين عند زيارتهم المسجد النبوي الشريف وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ويحتجون على أعمالهم تلك بالاستحسان العقلي أو بأدلة واهية باطلة.

وفي هذا المبحث سنذكر بمشيئة الله تعالى أهم تلك البدع التي تقع في مسجده صلى الله عليه وسلم مبينين بدعيتها تذكيرًا لهؤلاء الجهال ومن في حكمهم حتى لا يقعوا فيها بعد البيان ولإقامة الحجة عليهم أمام الله تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال:42] .

من تلك البدع التزام الزوار الإقامة في المدينة المنورة أسبوعًا أو ثمانية أيام حتى يتمكنوا من الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم أربعين صلاة لكي يكتب لهم البراءة من النار والنجاة من العذاب والبراءة من النفاق محتجين بالحديث الآتي:

قال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن موسى حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال عن نبيط بن عمرو عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا يفوته صلاة كتبت به براءة من النار ونجاة من النار وبرئ من النفاق" [117] .

واستدلالهم بهذا الحديث مأخوذ من ظاهره فهو يفيد أن من صلى أربعين صلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبرأ من النار والنفاق ونجا منهما، وهم بهذا الحديث يتمسكون ببدعتهم هذه، وهذا استدلال صحيح لو كان الحديث مما يحتج به.

وقد تكلم العلماء عن هذا الحديث حيث قال العلماء القدماء في صحته ما يلي: قال المنذري:"رواه أحمد ورواته رواة الصحيح والطبراني في الأوسط وهو عند الترمذي بغير هذا اللفظ" [118] .

وقال الهيثمي:"روى الترمذي بعضه، ورواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجاله ثقات" [119] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت