فهرس الكتاب

الصفحة 1105 من 3657

هذه أقوال العلماء القدماء في هذا الحديث ولكن محمد ناصر الدين الألباني قد ضعّف هذا الحديث بسبب وجود راو مجهول في سنده وهو نبيط بن عمرو: قال الألباني:"وهذا سند أي سند هذا الحديث الذي نحن بصدده ضعيف، نبيط هذا لا يعرف إلا في هذا الحديث، وقد ذكره ابن حبان في الثقات على قاعدته توثيق المجهولين، وهو عمدة الهيثمي في قوله في المجمع 4/8: رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجاله ثقات وأمّا قول المنذري في الترغيب (2/136) رواه أحمد ورواته رواة الصحيح والطبراني في الأوسط فوهم واضح لأن نبيط هذا ليس من رواة الصحيح ولا روى له أحد من بقية الستة" [120] .

وقد تتبعت نبيط هذا في كتاب الجرح والتعديل وكتب التراجم الأخرى فلم أجد من ترجم له إلا ابن حبان في الثقات [121] والحافظ ابن حجر العسقلاني في تعجيل المنفعة [122] الذي اكتفى بقوله: ذكره ابن حبان في الثقات.

وعلى هذا نقول: إن سند هذا الحديث ضعيف لوجود راوٍ مجهول كما بينا وهو نبيط بن عمرو، ومن ثم لا يمكن الاحتجاج به في هذا المقام.

وإذا كان كذلك فيكون التزام الزوار الإقامة في المدينة بثمانية أيام بدعة لغرض الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم أربعين صلاة حتى يبرأوا من النفاق ومن العذاب.

والبدعة تأتي من ناحية تحديد الأيام وعدد الصلوات ومن ناحية الثواب المترتب على ذلك لا من ناحية مجرد الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم بل ثبت أن ثواب الصلاة فيه يضاعف كما بينا في المبحث السابق عند حديثنا عن الفضائل الثابتة لمسجده صلى الله عليه وسلم.

ومن تلك البدع الخروج من المسجد النبوي الشريف القهقرى تأدبًا معه وتوقيرًا له وإيمانًا منهم أنّ الخروج العادي يترتب عليه الإدبار عن المسجد وهو سوء أدب عندهم حسب عقولهم بينما هذا سوء أدب لأن هذا الفعل غير مشروع ولأنه يترتب عليه أن يفعلوا هذا الفعل مع شيوخهم وكبرائهم سواء كانوا أحياء أو أمواتًا، ولأن الشرع لا يثبت بالرأي ولا باستحسان المستحسنين.

ولله در الإمام علي رضي الله عنه حيث قال:"لو كان الدين بالرأي لمسح أسفل القدم أولى من ظهرها" [123] .

يقول ابن الحاج في هذا المقام:"وليحذر ما يفعله بعضهم من هذه البدعة وهو أنّهم إذا خرجوا من مكة يخرجون من المسجد القهقرى وكذلك يفعلون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم حين وداعهم له عليه الصلاة والسلام ويزعمون أن ذلك من باب الأدب. وذلك من البدع المكروهة التي لا أصل لها في الشرع الشريف ولم يفعلها أحد من السلف رضي الله عنهم وهم أشد الناس حرصًا على اتباع سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ثم أدت هذه البدعة التي أحدثوها وعللوها إلى أن صاروا يفعلونها مع مشائخهم ومع كبرائهم وعند المقابر التي يحترمونها ويعظمون أهلها ويزعمون أن ذلك من باب الأدب" [124] .

ومن تلك البدع رفع الصوت بالصلاة والسلام في المسجد النبوي الشريف لأن ذلك يؤدي إلى سوء الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع المسجد وإن كان هذا الحكم يتعدى إلى غيره من المساجد إلا أنه يتأكد في هذا المسجد لمكانته عند الله وعند المسلمين.

وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمنع أن يرفع الأصوات في المسجد النبوي الشريف بل كان يتوعد على من يفعل ذلك بالعقاب الشديد.

والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن السائب بن يزيد قال:"كنت قائمًا في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتني بهذين فجئته بهما قال: من أنتما أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم" [125] .

هذا الحديث يدل على أن رفع الصوت ممنوع في مسجده صلى الله عليه وسلم لأنّ ذلك ينافي الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم ويدخل في عموم النهي عن رفع الصوت فوق صوته والجهر له في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} [الحجرات:2] .

ومنها أكل التمر الصيحاني في الروضة الشريفة [126] تبركًا بها لزعمهم أنّه صاح بالنبي صلى الله عليه وسلم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وأما التمر الصيحاني فلا فضيلة فيه بل غيره من التمر البرني والعجوة خير منه والأحاديث إنما جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك كما جاء في الصحيح:"من تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر" [127] ."

ولم يجئ عنه في الصيحاني شيء، وقول بعض الناس أنّه صاح بالنبي صلى الله عليه وسلم جهل منه، بل إنما سمي بذلك ليبسه فإنه يقال تصوح التمر إذا يبس" [128] ."

ومن ذلك وقوف بعضهم أمام القبر بغاية الخشوع واضعًا يمينه على يساره كما يفعل في الصلاة.

ومنها استقبال القبر للدعاء عنده رجاء الإجابة [129] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت