فهرس الكتاب

الصفحة 1114 من 3657

الحديث الثاني: قال ابن عدي: حدثنا علي بن إسحاق ثنا محمد بن النعمان بن شبل حدثني جدي عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني" [59] .

ففي إسناد هذا الحديث شخصان ضعيفان وهما النعمان بن شبل وحفيده محمد بن محمد بن النعمان بن شبل.

وأما الأول وهو النعمان بن شبل فقد جرحه غير واحد من أئمة هذا الشأن.

ونذكر هنا طرفًا من أقوالهم تجاه هذا الشخص: قال ابن حبان:"يأتي عن الثقات بالطامات وعن الأثبات بالمقلوب" [60] .

وقال ابن عدي:"لم أر في حديثه حديثًا قد جاوز الحد" [61] .

وقال أيضًا:"ثنا صالح بن أحمد بن أبي مقاتل ثنا عمران بن موسى ثنا النعمان بن شبل وكان ثقة" [62] .

وقال أيضًا:"سمعت إبراهيم بن محمد بن عيسى يقول: سمعت موسى بن هارون الحمال يقول: النعمان بن شبل البصري كان متهمًا" [63] .

وقال الذهبي في ترجمة محمد بن محمد بن النعمان بن شبل:"وأنا رأيت له عن جده النعمان بن شبل عن مالك، فما أعتقده لقي مالكًا" [64] .

وأما الشخص الثاني وهو محمد بن محمد بن النعمان بن شبل فقد جرحه غير واحد من النقاد.

ونذكر هنا طرفًا من أقوالهم تجاهه: قال الذهبي:"روى عنه أبو روق الهزاني، قد طعن فيه الدارقطني واتهمه" [65] .

وقال أيضًا:"شيخ أبي روق، طعن فيه الدارقطني واتهمه، وأنا فقد رأيت له عن جده عن مالك، فما أعتقد لقي مالكًا" [66] .

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني:"روى عنه أبو روق الهزاني وقد طعن فيه الدارقطني" [67] .

وقال أيضًا:"متروك" [68] من هذه الأقوال التي أوردناها في هذا المقام يتبين لنا أن هذا الحديث ضعيف لوجود شخصين ضعيفين ومن ثم لا يمكن أن يستدل به لما نحن بصدده لخروجه من دائرة الاحتجاج. إضافة إلى ذلك أن ابن الجوزي قد أورد هذا الحديث في الموضوعات [69] .

وخلاصة القول أنّ هذا الفريق ليس لهم أدلة صحيحة تدل على ما ذهبوا إليه من تجويز السفر إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا من الكتاب ولا من السنة كما يظهر من مناقشة أدلتهم بل لم يرد حديث صحيح في زيارة قبره لا من قريب ولا من بعيد كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد في زيارة قبر مخصوص ولا روى أحد في ذلك شيئًا لا أهل الصحيح ولا السنن ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد وغيره، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره. وأجلّ حديث روي في ذلك ما رواه الدارقطني وهو ضعيف باتفاق أهل العلم بل الأحاديث المروية في زيارة قبره صلى الله عليه وسلم مكذوبة وموضوعة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في زيارة القبور مطلقاَ بعد أن كان قد نهى عنها" [70] ."

ولهذا نرجّح ما ذهب إليه الفريق الآخر من منع شد الرحال إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لعدم مشروعيتها لا في الكتاب ولا في السنة بل أنها داخلة في عموم النهي عن شد الرحال إلى أي مكان للعبادة إلاّ المساجد الثلاثة مع أنّه لم يثبت ما يخصص ذلك العموم.

ولا يفهم من هذا أنّ زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم غير مشروعة كما يقول المرجفون وإنّما هي مشروعة لمن كان في المدينة وضواحيها وإن لم يرد بها نص صحيح بها خاصة لدخولها دخولًا أوليًا في ترخيصه صلى الله عليه وسلم زيارة القبور مطلقًا بشرط أن لا يترتب عنها شد الرحال، وأما إن ترتب عنها شد الرحال فالأدلة الثابتة ناطقة بالمنع لأن الفاصل بين الزيارة الشرعية والزيارة البديلة هو شدّ الرحال إذا اقتصر على الفعل المشروع من دعاء للأموات والسلام عليهم والاستغفار لهم.

الخاتمة:

لقد تم بعون الله تعالى وتوفيقه هذا البحث المتواضع مع أنّي أعترف أنّه لا يخلو من نقص بشري الذي هو سمة البشر لأنّ الكمال لله وحده وأنّ العصمة لمن عصمه الله من نبي من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام. وعلى هذا ينطبق على بحثنا هذا ما قيل قديمًا أنّه لا يكتب إنسان كتابًا إلاّ قال في غده لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد هنا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على البشر.

ومع أنّ البحث كله يعتبر نتائج فإنّي أسجل أهمّ النتائج التي توصلت إليها أثناء البحث:

1ـ أن الله سبحانه وتعالى اختار نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم لحمل الرسالة الخاتمة ليبلغه للناس كافة بعد إعداده إعدادًا يؤهله لحملها.

2ـ أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد مارس الدعوة سرًا وجهرًا وأدّى الأمانة على أكمل وجه طوال فترة البعثة.

3ـ أنّ الابتلاء سنّة من سنن الله في طريق الدعاة لا ينفك منها أحد من الرسل ومن سلك طريقهم، وأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد مر بذلك الابتلاء ونجح فيه بفضل الله ومنَّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت