ويقول ابن كثير رحمه الله:"يرشد تعالى العصاة المنيبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ولهذا قال: {لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء:64] ."
ويقول ابن الجوزي رحمه الله: وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} [النساء:64] يرجع إلى المتحاكمين اللذين سبق ذكرهما. قال ابن عباس: ظلموا أنفسهم بسخطهم قضاء الرسول: {جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ} [النساء:64] من صنيعهم" [42] ."
ويقول الشوكاني رحمه الله:" {ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} [النساء:64] بترك طاعتك والتحاكم إلى غيرك {جَاءُوكَ} [النساء:64] متوسلين إليك منتصلين عن جناياتهم ومخالفتهم (فاستغفروا الله) لذنوبهم وتضرعوا إليك حتى قمت شفيعًا فاستغفرت لهم" [43] .
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:"... والذين يتناولهم هذا النص ابتداء كان لديهم فرصة استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد انقضت فرصتها، وبقي باب الله مفتوحًا لا يغلق، ووعده قائم لا ينقضي، فمن أراد فليقدم، ومن عزم فليتقدم" [44] .
من هذه الأقوال التي ذكرناها في هذا المقام يتبين لنا أن المفسرين سلفًا وخلفًا، ومعاصرين فهموا أنّ الآية وردت في قوم معينين في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتعدى إلى ما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لأنّ حياته البرزخية مخالفة تمامًا لحياته في الدنيا ولا يأخذان حكمًا واحدًا [45] .
يقول ناصر الدين الألباني:"... فحياة الأنبياء بعد الموت حياة برزخية، ولنبينا صلى الله عليه وسلم فيها من الخصائص ما ليس لغيره... ولكن لا يجوز التوسع في ذلك بالأقيسة والأهواء" [46] .
وعلى هذا لا يمكن الاستدلال بها لما نحن بصدده، وكذلك لا يقال أنّ المجيء إلى قبر الرجل مثل المجيء إلى الرجل لا لغة ولا شرعًا ولا عرفًا.
يقول محمد بن بشير السهسواني في كتابه صيانة الإنسان:"والمجيء إلى قبر الرجل ليس من أفراد المجيء إلى الرجل لا لغة ولا شرعًا ولا عرفًا، فإن المجيء إلى الرجل ليس معناه إلا المجيء إلى عين الرجل، ولا يفهم منه أصلًا أمر زائد على هذا" [47] .
وأما توبة الله ورحمته المذكورتان في الآية التي نحن بصددها فلا يمكن أن ينالهما أحد بعد موته صلى الله عليه وسلم، لأنّ محلهما وقت حياته صلى الله عليه وسلم كما يظهر من أقوال المفسرين السابقة الذكر.
يقول صاحب كتاب صيانة الإنسان:"فإن الأمور الموجبة لتوبة الله ورحمته هي المذكورة في الآية وإنما هي المجيء إليه صلى الله عليه وسلم في الحياة بعد الظلم واستغفارهم عنده في الحياة بعد الظلم، واستغفار الرسول صلى الله عليه وسلم لهم في الحياة بعد الظلم، وفي زيارة القبر لا يوجد واحد من هذا" [48] .
وخلاصة القول أن هذه الآية لا يمكن أن يستدل بها للموضوع الذي نحن بصدده للأمور التي بيناها سابقًا لأنّ حكمها منحصر في حال حياته صلى الله عليه وسلم ولا يتعدى إلى ما بعد وفاته.
وإذا بطل استدلالهم بالآية الكريمة فلننظر إلى ما يستدلون به من السنة لنرى مدى صلاحيتها للاستدلال الذي ذهبوا إليه.
الحديث الأول: قال الدارقطني: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ثنا أبو الربيع ابن أبي داود عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي" [49] .
ففي إسناد هذا الحديث راويان ضعيفان وهما حفص بن أبي داود ويقال حفص بن سليمان أبو عمر الأسدي الكوفي البزار القاري فقد جرحه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل، ونذكر هنا طرفًا من أقوالهم تجاه هذا الشخص الذي نحن بصدده. قال البخاري رحمه الله:"تركوه" [50] .
وقال أيضًا:"سكتوا عنه" [51] .
وقال ابن حبان:"كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها ويرويها من غير سماع" [52] .
وقال أبو حاتم الرازي:"لا يكتب حديثه وهو ضعيف الحديث" [53] .
وقال الذهبي:"ثبت في القراءة والحروف، واه في الحديث" [54] .
وأما الشخص الثاني وهو ليث بن أبي سليم فقد ضعفه غير واحد من أئمة هذا الشأن.
ونذكر هنا طرفًا من أقوالهم تجاهه: قال الإمام أحمد بن حنبل:"ليث بن أبي سليم مضطرب الحديث" [55] .
وقال النسائي:"ليث بن أبي سليم ضعيف" [56] .
وقال ابن حبان:"اختلط في آخر عمره حتى كان لا يدري ما يحدث به فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل ويأتي عن الثقات بما ليس في أحاديثهم، كل ذلك كان منه في اختلاطه" [57] .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني:"صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك" [58] .
من هذه الأقوال يتبين لنا أن هذا الحديث ضعيف وآفته وجود شخصين ضعيفين في إسناده ومن ثم لا يمكن أن يحتج به في هذا المقام لخروجه من دائرة الاحتجاج.