فهرس الكتاب

الصفحة 1112 من 3657

ووجه الاستدلال بهذين الحديثين من وجهة نظر هذا الفريق هو أن الشارع قد نهى عن السفر إلى أي مكان للعبادة غير المساجد الثلاثة المستثناة في أسلوب حصر بمعنى أن السفر إلى أي مكان للعبادة محصور في المساجد الثلاثة. وعلى هذا فالسفر إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدخل في النهي العام لعدم ورود ما يخرجه عن ذلك ولأنّ الصحابة قد فهموا ذلك كما يدل عليه قول أبي بصرة الغفاري في الحديث الثاني ومن ثم يعدون ذلك أنّه من البدع المحرمة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المقام:"إذا كانت المساجد التي هي من بيوت الله التي أمر فيها بالصلوات الخمس قد نهى عن السفر إليها حتى مسجد قباء الذي يستحب لمن كان بالمدينة أن يذهب إليه لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أنّه كان يأتي قباء كل سبت راكبًا وماشيًا" [32] إلى أن قال مؤكدًا ذلك: وروى الترمذي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال من تطهر في بيته فأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلاّ الصلاة فيه كان له كعمرة" [33] ، وكذلك ينهى عن السفر إلى الطور المذكور في القرآن فمن باب أولى أن ينهى عن السفر إلى غيرها من الأمكنة" [34] ."

ويقول شيخ الإسلام أيضًا في مكان آخر:"قال بعض العلماء: قوله:"من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء.."تنبيه على أنه لا يشرع قصده بشد الرحال بل إنما يأتيه الرجل في بيته الذي يصلح أن يتطهر فيه ثم يأتيه فيقصده كما يقصد الرجل مسجد مصره دون المساجد التي يسافر إليها، وأمّا المساجد الثلاثة فقد اتفق العلماء على استحباب إتيانها للصلاة ونحوها" [35] .

ويقول محيي الدين البركوي:"السفر إلى زيارة قبور الأنبياء بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر بها رسول ربّ العالمين، ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك قربة. وطاعة فقد خالف السنة والإجماع ولو سافر إليها بذلك الاعتقاد يحرم بإجماع المسلمين فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلاّ لذلك" [36] .

ويقول ناصر الدين الألباني في هذا المقام:"المستثنى منه في هذا الحديث ليس هو المساجد فقط كما يظن كثيرون بل هو كل مكان يقصد للتقرب إلى الله فيه سواء كان مسجدًا أو قبرًا أو غير ذلك بدليل ما رواه أبو هريرة قال في حديث له: فلقيت بصرة [37] بن أبي بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد.. الحديث" [38] . فهدا دليل على أنّ الصحابة فهموا الحديث على عمومه ويؤيده أنه لم ينقل عن أحد منهم أنّه شد الرحل لزيارة قبر ما" [39] .

هذه مجمل ما ورد في هذا الشأن من قبل الفريقين المجوزين السفر إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والمانعين لها، ولكن هذه الأدلة تحتاج إلى مناقشة حتى يتبين الصواب من الخطأ ومن ثم يمكن لنا أن نرجح ما نراه صوابًا أو أقرب إلى روح الشريعة الإسلامية السمحاء التي ختم الله سبحانه وتعالى بها كل الرسالات بواسطة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم دون تعصب إلى فئة من الفريقين.

مناقشة الأدلة: إذا نظرنا إلى الأدلة السابقة التي استدل بها كل فريق من الفريقين نجد أنّ كل فريق يستدل بأدلة تتناقض مع أدلة الفريق الآخر مع أنّ الحق في هذا الموضوع الذي نحن بصدده لا بد أن يكون بجانب فريق واحد لأنّ الحق لا يتعدد ولا يكون لصالح الفريقين المتناقضين في آن واحد لأنّ ذلك من المستحيلات.

نناقش أولًا أدلة القائلين بجواز السفر إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ونبدأ بالآية الكريمة التي استدلوا بها وهي قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء:64] .

قبل أن نصل إلى القول بأن الآية تصلح للاستدلال لما نحن بصدده أو عدم صلاحيتها نذكر أقوال المفسرين سلفًا وخلفًا ومعاصرين في تفسيرها ومن ثم يتبين صلاحيتها لما استدل بها له.

يقول أبو جعفر الطبري رحمه الله: يعني بذلك جل ثناؤه، ولو أنّ هؤلاء المنافقين الذين وصف صفتهم في هاتين الآيتين [40] الذي إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدوا صدودًا.

إذ ظلموا أنفسهم باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله إذا دعوا إليها... جاءوك تائبين منيبين، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم وسأل الله رسوله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، وذلك هو معنى قوله: {فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ} [النساء:64] وأمّا قوله: {لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء:64] يقول رجعًا لهم مما يكرهون إلى ما يحبون: (رحيمًا) بهم في تركه عقوبتهم على ذنبهم الذي تابوا منه" [41] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت