الثاني: عيادة المريض سواء كان مسلمًا أو كافرًا كما يدل عليه حديث أنس السابق.
وهذا الغرض يعم المسلم والكافر كما يدل عليه منطوق ذلك الحديث.
هذه هي الأغراض المشروعة لزيارة الأحياء بعضهم لبعض التي لا يجوز غيرها مثل الطلب منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والاستعانة بهم وغيرها من الأمور الأخرى التي ذكرناها سابقًا عند كلامنا عن زيارة القبور وأغراضها إلا ما كان في مقدور البشر عقلًا وشرعًا لأن الأحياء لهم نوع من السمع ونوع من الملك ونوع من القدرة.
وبهذا تنطبق عليهم الشروط الثلاثة التي تبيح سؤال المخلوق بشرط أن يكون ذلك في حدود الشرع وفي مقدور البشر لا أن يسند إليهم أو يسألهم ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى مثل جلب المنفعة وسد المضرة بدون أخذ الأسباب فيترتب عليه الشرك والعياذ بالله.
المبحث الثاني
حكم السفر إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم
ذكرنا في المبحث السابق أن زيارة القبور مشروعة عمومًا إذا لم تصحبها أمور مشروعة سواء كانت الزيارة إلى قبر نبي أو أتباعه وغيرهم كالكفار، وأمّا في هذا المبحث فسوف نتكلم فيه عن حكم السفر إلى المزارات وخاصة السفر لزيارة قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى بمعنى إذا منعنا من السفر لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم فمن باب أولى نمنع من السفر إلى زيارة قبر من دونه مهما كانت رتبته.
وقد اختلف العلماء في حكم السفر إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فمنهم من يقول بجواز ذلك بل يجعلونه من الأمور المستحبة، ومنهم من يقول بعدم جوازه ويعدونه من الأمور المحرمة. ولكل من الفريقين أدلتهم: أولًا: القائلون بالجواز: هذا الفريق استدل بأدلة من الكتاب والسنة: أما أدلة الكتاب فقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء:64] .
ووجه الاستدلال بهذه الآية كما يقول السبكي:"دلت الآية على الحث على المجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والاستغفار عنده واستغفاره لهم وذلك وإن ورد في حال الحياة فهي رتبة له صلى الله عليه وسلم لا تنقطع بموته تعظيمًا له" [25] .
ويقول أيضًا:"والمجيء صادق على المجيء من قرب ومن بعد بسفر وغير سفر ولا يقال (إن جاءوك) مطلق والمطلق لا دلالة له على كل فرد وإن كان صالحًا لها لأنّا نقول هو في سياق الشرط فيعم، فمن حصل منه الوصف المذكور وجد الله توابًا رحيمًا" [26] .
وأما من السنة فقد ذكروا أدلة كثيرة نذكر منها ما هو نص في هذا الموضوع: أولًا: ما أخرجه الدارقطني بسنده قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز أنبأنا أبو الربيع بن أبي داود عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي" [27] .
ثانيًا: ما أخرجه ابن عدي في الكامل قال: حدثنا علي بن إسحاق حدثنا محمد بن النعمان بن شبل حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني" [28] .
هذان الحديثان اللذان أوردناهما في هذا المقام هما نصان في الموضوع الذي نحن بصدده ولم أجد غيرهما من الأحاديث ما يكون نصًا في الموضوع وإنما هناك أحاديث أخرى تدل على مطلق زيارة النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا نتكلم في هذا المكان إلا على ما يكون نصًا في الموضوع.
وهذان الحديثان يحتاجان إلى النظر فيهما من ناحية السند صحة وضعفًا لكي تتبين حجيتهما فيما استدل له بهما ولكن قبل أن نتطرق إلى ذلك نذكر أدلة القائلين بالمنع ثم نناقش أدلة الفريقين معًا.
ثانيًا: أدلة القائلين بالمنع: هذا الفريق استدل بالأدلة التالية:
(أ) ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد. المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومسجد الأقصى" [29] .
(ب) ما أخرجه الإمام مالك بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال: لقيت بصرة [30] بن أبي بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تعمل المطي إلاّ إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا وإلى مسجد إيليا أو بيت المقدس يشك" [31] .