يقول النووي رحمه الله تعالى عند شرحه هذا الحديث:"وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما أو للكعبة ونحو ذلك فكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًا أو يهوديًا كما نص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرًا. فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا" [19] .
ومن الزيارة الشركية دعاء الأموات وسؤال المقبور تفريج الكربات مما لا يقدر عليه الأحياء من البشر فضلًا عن الأموات لأن سؤال المحلوف لا بد أن تجتمع فيه ثلاثة شروط:
1ـ القدرة على التصرف بمعنى أن يكون المدعو قادرًا على التصرف فيعطي ويمنع. فالعاجز عن التصرف لا ينفع نفسه فضلًا عن أن ينفع غيره.
2ـ السمع أي بأن يكون المدعو سامعًا للنداء ومدركًا للخطاب.
3ـ الملك أي بأن يكون المدعو مالكًا لما يطلبه السائل إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه. وشرط واحد من تلك الشروط لا ينطبق على الأموات كما ترى.
يقول الألوسي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: {دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [يونس:22] . فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر، دعوا من لا يضر ولا ينفع ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر وإلياس ومنهم من يتضرع إلى شيخ من مشائخ الأمة ولا ترى أحدًا منهم يخص مولاه بتضرعه ودعاه، ولا يكاد يمر له ببال، أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال فبالله عليك قل لي أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلًا، وأي الداعيين أقوم فيه وإلى الله المشتكى من زمن عصفت فيه ريح الجهالة وتلاطمت أمواج الضلالة وخرقت سفينة الشريعة واتخذت الاستعانة بغير الله للنجاة ذريعة وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف" [20] ."
ولذلك أقول: إن مشركي هذا الزمان يفوقون مشركي العرب زمن البعثة بأمرين:
1ـ أن مشركي العرب في زمن البعثة كانوا يخلصون الدعاء لله سبحانه وتعالى في وقت الشدة وإنما يشركون في زمن الرخاء كما دلت عليه الآية السابقة بينما مشركو هذا الزمان يدعون غير الله في وقت الشدة وفي وقت الرخاء كما هو معلوم.
2ـ إن مشركي العرب في زمن البعثة كانوا يدعون الملائكة والصالحين والحجر الذي لا ذنب له وأما مشركي هذا الزمان فهم يدعون أناسًا ماتوا ولم يكونوا صالحين بل فيهم من يجهر بالفسق ومن لا يصلي أبدًا.
ومما يدخل في هذا المعنى أي دعاء الأموات الاستغاثة والاستعانة بهم كما يدل عليه قول الألوسي السابق لأن الاستغاثة فيها طلب وسؤال المقبور وكذلك الاستعانة.
وعلى هذا فعلى المسلم أن يقتصر في مجال الزيارة على ما هو مشروع فقط دون الإضافات البدعية والشركية التي لم يأذن بها الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وأما النوع الثاني: وهو زيارة الأحياء بعضهم البعض مودة ومحبة وعيادة فمشروعة أيضًا إذا لم تصحبها أغراض فاسدة لورود أحاديث ثابتة تدل على ذلك: من ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال:"قال أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، فلما انتهينا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها" [21] .
ومنها ما أخرجه الإمام مسلم أيضًا في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى فأرصده الله له على مدرجته ملكًا فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ [22] قال: لا غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك لما أحببته فيه" [23] .
ومن ذلك ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه أنّ غلامًا ليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعيده، فقال:"أسلم تسلم" [24] .
يتبين لنا من هذه الأحاديث أن زيارة الأحياء بعضهم لبعض مشروعة أيضًا وأن الغرض منها أمران: الأول: محبة الزائر للمزور ومودته كما يدل عليه حديث أبي هريرة الآنف الذكر.
وهذا الغرض يخص المسلمين لأنهم وحدهم هم الذين يحبون في الله عز وجل، وأما غيرهم فيحبون لأغراض دنيوية بحتة، وأما في الآخرة فبينهم عداوة كما يدل عليه قوله تعالى: {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67] .