فوالله ما برحت مقعدي ذاك حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون (21) الشجر فإذا أولهم الأخرم الأسدي وإذا على إثره (22) أبو قتادة ، وإذا على إثر (23) أبي قتادة المقداد بن الأسود الكندي ، وولوا (24) مدبرين ، فأعرض الأخرم الأسدي فآخذ بعنان (25) فرسه ، فقلت: يا أخرم أنذرهم فإن القوم قليل خبيث ، ولا آمنهم أن يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فقال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة ، قال: والتقى هو وعبد الرحمن ، فاختلفا ضربتين فقتله ، وعقر عبد الرحمن فرسه ، وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم ، ويلحقه أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختلفا طعنتين ، فقتله أبو قتادة وعقر بأبي قتادة فرسه ، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم ، قال: وخرج المشركون لا يلوون (26) على شيء قال: فوالذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم إني بطلب الخيل والركاب والرجال الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ما أرى غبارهم ، قال: فعرضوا الشعب (27) فيه ماء يقال له ذو قرد يريدون أن يشربوا منه وهم عطاش ، قال: فنظروا إلي أعدو (28) وراءهم ، قال: فحلأتهم ، فما ذاقوا منه قطرة وهم عطاش حتى سندوا في ثنية (29) ، يقال له نير ، قال: وألحق رجلا من آخرهم عند الثنية فأصطكه بسهم في نغص كتفه ، فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع قال: واثكل (30) أمي أكوعيا بكرة (31) ؟ ، فقلت: نعم ، أي عدو نفسه ، قال: فأدرك فرسين على العقبة فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وجدته على الماء الذي حلأتهم (32) عنه ذو قرد ، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائة من أصحابه قد نزلوا الماء ، وأخذوا الإبل والبرد وكل شيء خلفت ورائي وإذا بلال قد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحر (33) جزورا (34) من الإبل الذي عديت لهم ، وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من سنامها وكبدها ، قال: وجاء عمي عامر بسطيحة (35) فيها مذقة من لبن وسطيحة أخرى فيها ماء ، فتوضأت ثم صليت وشربت ، فقلت: يا رسول الله خلني فلأنتخب من القوم مائة رجل فآخذ على المشركين بالعشرة فلا يبقى منهم رجل ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظرت إلى نواجذه في ضوء النار ، فقال: » أكنت فاعلا يا سلمة ؟ « ، قلت: نعم والذي كرم وجهك ، فقال: » إنهم الآن ليقرون بأرض غطفان « ، قال: فما برحنا (36) حتى جاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان الغطفاني جزورا فلما كشط جلدها رأوا غبارا ، فقالوا: هذا غبار القوم فما خافوها وولى القوم ، فلما أصبحنا أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم (37) الفارس والراجل (38) جميعا ، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة « ، قال: ثم أردفني (39) نبي الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى المدينة على ناقته العضباء (40) فلما كان بيننا وبين المدينة ضحوة ، وفينا رجل من الأنصار لا يسبق عدوا ، قال: هل من مسابق إلى المدينة ، ألا من مسابق فأعادها مرارا وأنا ساكت ، ثم قلت له: ما تكرم كريما ولا تهاب شريفا ، فقال: لا إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلت: يا رسول الله ذرني (41) بأبي أنت وأمي لأسابق الرجل ، قال: » إن شئت « ، فقلت: اذهب إليك فخرج يشتد وأطفر عن الناقة ، ثم أعدو فربطت عليه شرفا (42) أو شرفين ، فسألته ما ربطت ؟ ، فقال: استبقيت نفسي ثم إني عدوت عدوتي حتى ألحقه وأصك بين كتفيه ، فقلت: سبقتك والله ، قال: فنظر إلي فضحك ، وقال: إني أظن ، قال: حتى ورد المدينة فما لبثنا إلا ثلاث ليال ، حتى خرجنا إلى خيبر ، فجعل عمي عامر يرتجز (43) بالقوم ، وهو يسوق بهم ، وهو يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ونحن عن فضلك ما استغنينا فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا إن الذين كفروا بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » من هذا ؟ « ، فقلت: عمي عامر يا نبي الله ، فقال: » غفر لك ربك « ، فقال عمر وهو في أول القوم: يا نبي الله لوما متعتنا بعامر ، وما استغفر لإنسان قط يخصه إلا استشهد ، فلما قدمنا خيبر خرج مرحب يخطر بسيفه يقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاك (44) السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فبرز عامر فقال: قد علمت خيبر أني عامر شاك السلاح بطل مغامر فاختلفا (45) ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس (46) عامر وذهب عامر يسفل (47) له ، فرجع سيفه على نفسه ، فكانت فيه نفسه ، قال: فما مررت على نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهم يقولون: بطل عمل عامر ، قتل نفسه ، فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم أبكي ، فقلت: أبطل عمل عامر ؟ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » من قال