فهرس الكتاب

الصفحة 1170 من 3657

وقول عمر الأول بمقتضى الأصل الطبعي في الإنسان أن أحب شيء إليه نفسه، فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بالمصطلح الإيماني أقرّ عمر بأنه بالمعنى الإيماني يفضل النبي، ويحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه، فقال له حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الْآنَ يَا عُمَرُ".

ثم إن حبّ الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار -كما ذكر الخطابي-؛ ولذلك عمر جوابه الأول ذكر الطبع، ثم بعد ذلك ذكر الاختيار الذي هو مقتضى الإيمان.

ومن هنا ذكر العلماء أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم على ضربين:

أحدهما: فرض، وهو المحبة التي تقتضي الإيمان بنبوته، وبعثته، وتلقي ما جاء به بالمحبة والقبول، والرضا والتسليم.

ودرجة ثانية هي: محبة مندوبة، وهي تقصي أحواله ومتابعة سنته، والحرص على التزام أقواله وأفعاله قدر المستطاع والجهد والطاقة.

ومن الأدلة كذلك: قول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"ثَلاث مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ"رواه مسلم.

ومن الأدلة كذلك: حديث جميل رائع، قال فيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ"رواه مسلم.

فكلنا محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم محبة وجوبٍ، ومحبة اختيارٍ وتعظيمٍ له عليه الصلاة والسلام، وأمر هذا الوجوب لا يحتاج لأدلة، فلعلنا ندرك عظمة هذا الوجوب عندما ندرك هذه النصوص الواضحة في أن محبته ينبغي أن تكون أعظم من محبة النفس التي بين جنبيك، وأنفاسك التي تتردد، وقلبك الذي يخفق، فضلًا عن محبة الزوج والأبناء، أو الأمهات والآباء، فما أعظم هذه المحبة التي هي أعظم محبة لمخلوقٍ من بني آدم في الدنيا، وفي الخليقة كلها، وهي التي استحقها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ووجبت على كل مؤمن بالله سبحانه.

ثالثًا: لماذا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

هذا السؤال لنهيِّج القلوب والمشاعر لهذه المحبة، ولنؤكدها، ولنحرص على غرسها في سويداء القلوب والنفوس حتى تتحرك بها المشاعر، وتنصبغ بها الحياة، وتكون هي السمت والصبغة التي يكون عليها المسلم في سائر أحواله بإذن الله تعالى.

أولًا: نحبه؛ لأنه حبيب الله، ومن أحب الله أحب كل ما أحبه الله، وأعظم محبوب من الخلق لله هو رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام:"وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ"رواه مسلم. يعني نفسه صلى الله عليه وسلم، والخلة هي أعلى درجات المحبة.

ثانيًا: لأن الله أظهر لنا كمال رأفته وعظيم رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته: فنحن نحب الإنسان متى وجدناه بنا رحيمًا، وعلينا شفيقًا، ولنفعنا مبادرًا، ولعوننا مجتهدًا.. فنحبه من أعماق قلوبنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو في هذا الباب أعظم مَنْ رحمنا، ورأف بنا، وإن كان بيننا وبينه هذه القرون المتطاولة، قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (سورة التوبة: 128) .

ولو أردنا أمثلةً لذلك طال بنا المقام، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما كان يقول:"لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي...". وكم من الأحاديث الذي ورد فيها رقته ورحمته بأمته...

كما في حديث مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدْ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدْ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ: [ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ] رواه البخاري ومسلم.

بل كان إذا سمع بكاء الصبي يخفف من صلاته رأفةً وشفقةً على قلب أمه به، وذلك من كمال رحمته وشفقته عليه الصلاة والسلام.

ومن ذلك: كمال نصحه لأمته، وعنايته بتعليمهم، حتى قيل للصحابة:"قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ"رواه مسلم. أي: حتى قضاء الحاجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت