فهرس الكتاب

الصفحة 1171 من 3657

علّم أمته كل شيء، وكان عليه الصلاة والسلام لا يدع فرصةً إلا ويعلمهم، ولا يدع فرصةً إلا ويقول:"لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ"رواه البخاري ومسلم. حتى جئنا إلى أيامنا هذه وإلى ما بعدها، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا نراه في يقظته ومنامه، بل نحن نعرف عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من سيرته أكثر مما نعرف عن أنفسنا. رُصدت حياته صلى الله عليه وسلم، ورصد لنا وصفه وشعره؛ كم شعرة بيضاء في لحيته، كل ذلك في وصفٍ دقيقٍ بليغٍ، حتى كأن كل شيءٍ في حياته ورد في وضح النهار، وفي رابعة الشمس كما يقولون.

ثالثًا: من دواعي محبته صلى الله عليه وسلم: خصائصه وخصاله العظيمة، ويكفينا في ذلك قول الله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [سورة القلم: 4] . واجتمع فيه ما تفرق من وجوه الفضائل والأخلاق والمحاسن في الخلق كلهم، فكان هو مجتمع المحاسن عليه الصلاة والسلام، وحسبنا ذلك في هذه الدواعي، وإلا فالأمر كثير، فإن الذين مالت قلوبهم، وملئت حبًّا لرسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه، إنما سبى قلوبهم، واستمال أنفسهم بما كان عليه من الخلق وحسن المعاملة، وكمال الرحمة، وعظيم الشفقة، وحسن القول إلى غير ذلك مما هو معلوم من شمائله عليه الصلاة والسلام.

رابعًا: مظاهر محبته صلى الله عليه وسلم وعلاماتها:

فلكل شيءٍ دليل، ولكل ادعاءٍ برهان، ومن هنا نذكر بعض هذه المعالم العظيمة المهمة من مظاهر وعلامات محبته صلى الله عليه وسلم:

ومن أولها: محبته باتباعه، والأخذ بسنته صلى الله عليه وسلم: وكما قال ابن الجوزي مستشهدًا بقول مجنون ليلى:

إذا قيل للمجنون ليلى تريد أم الدنيا وما في طواياها؟

لقال غبار من تراب نعالها أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها

قال ابن الجوزي:"وهذا مذهب المحبين بلا خلاف، فكل محب يكون أدنى شيء من محبوبه أعظم إليه من كل شيء في دنياه، فكان أدنى شيء من الله، ومن رسوله أعظم وأحب إلى كل مؤمن من كل شيء في دنياه".

قال ابن رجب رحمه الله في"جامع العلوم والحكم":"فمن أحب الله ورسوله محبةً صادقةً من قلبه؛ أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكره الله ورسوله، ويرضى ما يرضى الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض؛ فإن عمل بجوارحه شيئًا يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ترك بعض ما يحب الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه، دلّ ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة".

ثانيًا: الإكثار من ذكره صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه:

فمن أحب إنسانًا أكثر ذكره، وأكثر ذكر محاسنه، فينبغي أن نعطر مجالسنا في كل وقتٍ وحينٍ بذكر مآثر النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرته وأحواله وشمائله، وهذا الذكر هو الذي يهيج هذه المحبة ويبعثها، وكثرة الصلاة عليه والسلام تترك هذا المعنى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [سورة الأحزاب: 56] .

وفي حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اذْكُرُوا اللَّهَ، اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ". قَالَ أُبَيٌّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ:"مَا شِئْتَ"، قَالَ: قُلْتُ الرُّبُعَ، قَالَ:"مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ:"مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قَالَ: قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ:"مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا، قَالَ:"إِذن تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ"رواه الترمذي وأحمد.

قال الشراح: كان أُبّي يقصد أن له وردا من الدعاء دائم، فكان يصلي فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: كم أجعل لك من ذلك؟ قال زد حتى لو كان الحمد والثناء والصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ فإنه وإن قلّ الدعاء يكون فيه ما وعد به النبي صلى الله عليه وسلم:"إِذن تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ".

ثالثًا: تمني رؤيته والشوق إليه: وتلك بعض مشاعر المحبة، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ] رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت