فهرس الكتاب

الصفحة 1172 من 3657

وهذا بلال -رضي الله عنه- ذهب إلى بلاد الشام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: لم أطق أن أبقى في المدينة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان إذا أراد أن يؤذن وجاء إلى:"أشهد أن محمدًا رسول الله"تخنقه عَبْرته، فيبكي، فمضى إلى الشام وذهب مع المجاهدين، ورجع بعد سنوات، ثم دخل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحان وقت الأذان، فأذن بلال، فبكى، وأبكى الصحابة بعد انقطاعٍ طويل غاب فيه صوت مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتذكروا بلالًا وأذانه، وتذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان بلال -رضي الله عنه- عند وفاته تبكي زوجته بجواره، فيقول:"لا تبكي.. غدًا نلقى الأحبة.. محمدا وصحبه".. فكان يشتاق للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو واحد من المبشرين بالجنة كما ثبت ذلك في الحديث. وهكذا روي عن حذيفة بن اليمان، وعن عمار بن ياسر -رضي الله عنهم أجمعين كلهم- روى أو ذكر القاضي عياض في الشفاء أنهم قالوا:"غدًا نلقى الأحبة.. محمدًا وصحبه".

رابعًا: محبة الكتاب الذي أنزل عليه والذي بلّغه لأمته: وهو معجزته الخالدة إلى قيام الساعة، كلام الله وكتابه العظيم الذي فيه الهدى والنور، فمن أحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحب القرآن، والتعلق به.

خامسًا: الأسباب الجالبة لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم:

1-تعظيم محبة الله تعالى.

2-قراءة سيرته صلى الله عليه وسلم: اقرءوا السيرة، وعلموها أبناءكم. قال السلف:"كانوا يعلموننا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعلموننا الآية من القرآن".

3-تذكر الأجر العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم.

4-تولّي الصحابة رضوان الله عليهم، والإكثار من ذكر سيرتهم.

5-تعظيم السنة النبوية: حتى إذا قيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون منك ما كان من الصحابة.. يقول الراوي كانوا إذا قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: اشرأبت الأعناق، وشخصت الأبصار، وأصغت الأسماع.. لا انصراف ولا التفات ولا تحرك، بل احترام وإجلال لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

6-إجلال المحبين للسنة والعاملين بها: كل محدّثٍ، وكل عاملٍ بسنة، وكل ملتزمٍ للسنة نحبه؛ لأنه يذكرنا برسول الله صلى الله عليه وسلم.

7-الذبّ عن السنة والدفاع عنها.

سادسًا: ثمار المحبة:

هذه المحبة في الدنيا عون على الطاعة، والإكثار من العبادة، وخفة ذلك على النفس، وإقبال الروح على مزيدٍ من الطاعات.. وأما في الآخرة فحسب المحبة أن تكون نجاته من النار، ولحوقًا برسول الله صلى الله عليه وسلم كما قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ"رواه البخاري ومسلم.

سابعًا: محبة النبي صلى الله عليه وسلم بين الغلو والجفاء:

هذه المحبة التي قلناها ما بال بعضنا يفسدها بغلو يخرج عن حد الاعتدال، أو جفاءٍ يبتعد فيه المسلم عن حق رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعظيم محبته عليه الصلاة والسلام؟

الغلو خرج به قوم إلى صورٍ كثيرة لا تخفى عليكم من حيث الواقع، ولكني أذكرها من حيث المنهج والمبدأ.

من يجعل المدح مدخلًا لذكر ما هو خاص مستحق لله لا يجوز أن يشاركه فيه غيره، ولا أن يوصف به غيره، ولو كان هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يُدعى لرسول الله عليه الصلاة والسلام ما هو من حق الله وخصائص الله سبحانه، وهذا يأباه النبي صلى الله عليه وسلم!.

وقد علّمه للناس في وقته وفي زمانه، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ فَلا يَقُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ] بعضهم يقولون هذه الألفاظ تعبيرًا عن المشاعر، ولا نقصد بها عين الألفاظ! نقول: هل أنتم أعلم أو أحكم من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ لِمَ لم يترك التنبيه على الألفاظ إذا كانت ليست مؤثرة في النفس، والفكر والعقل!!."

وضرب آخر من الغلو وهو: الإتيان بالمخالفات عملية وفعلية لسنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: بادعاء للمحبة، أو في أوقات وأفعال وأحوالٍ تُدعى فيه محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالاجتماع لمحبته مع وجود الاختلاط، أو وجود ما هو مذموم من الغناء، أو بادعاء أمورٍ غيبية من حلول روحه، أو من تجسد روحه، أو من رؤيته، ونحو ذلك.. وهذه الأمور التي لا تثبت، وهذا الادعاء ليس له دليل، وليس له حجة.

ثم أمر ثالث أيضًا في هذا الغلو وهو: الادعاء والاختراع لأمورٍ وأقوال وأحوال لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت