ولذا فقد كان لزاما على كل من ينطق بهذه الشهادة، ويدين الله بهذا الدين أن يحيط بتلك الحقوق معرفة، ويلتزم بها اعتقادا وقولا وعملا، فذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يحصل إيمان العبد إلا به.
ومما يؤسف له أن كثيرا من المسلمين اليوم هم على درجة كبيرة من الجهل بهذه الحقوق فتراهم لذلك على طرفي نقيض هذا المقام:
-فإما مقصر عن القيام بهذه الحقوق التي أوجبها الله على الأمة فتراه لا يقيم لها وزنا ولا يلقي لها بالا.
-وإما غال مبتدع منكب على ما ابتدعه، يظن أنه بما يفعله من أمور مبتدعة في هذا المقام قد أحسن صنعا وأنه مؤد لما أوجبه الله من حق لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وكلا الطرفين صاحب حال مذموم غير محمود. فلما كان عامة أصحاب هذين الطرفين إنما أوقعهم فيما هم فيه، جهلهم بمعرفة تلك الحقوق على الوجه المطلوب شرعا.
ولما كانت هذه الحقوق هي من جملة هذا الدين الذي تعبدنا الله به، فكان لا بد فيها من توفر شرطي القبول:
أ- الإخلاص.
2-الصواب (الاتباع) .
كما قال تعالى {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [22]
فقد أحببت أن أوضح تلك الحقوق النبوية وفق ما جاءت بذلك النصوص الشرعية، وما كان عليه سلف هذه الأمة وأئمتها، عسى أن يكون في هذا البيان والتوضيح تعليم للجاهل، وتذكير للغافل، وتحذير وردع للمبتدع، ومدارسة للعارف.
فأسأل الله عز وجل التوفيق والرشاد وأن يرزقنا التمسك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والسير على هديه والتأسي به، وأن يشرح لذلك صدورنا وينير قلوبنا إنه جواد كريم وعلى كل شيء قدير.
الباب الأول: وجوب الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وطاعته واتباع سنته.
الفصل الأول: وجوب الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم.
المبحث الأول: تعريف الإيمان وبيان معنى شهادة أن محمدا رسول الله.
المطلب الأول: تعريف الإيمان عموما.
أ- المعنى اللغوي لكلمة"آمن":
الإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانا فهو مؤمن
أ- ويرى جمع من أهل اللغة أن الإيمان في اللغة معناه: التصديق وقد حكوا الإجماع على ذلك قال الأزهري [23] :"واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه التصديق" [24] .
واستدلوا لذلك بقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف لأبيهم {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [25] فقالوا معناه ما أنت بمصدق لنا [26] .
2-أما علماء السلف [27] فيقولون إن الإيمان يأتي في اللغة لمعنيين هما:
أ- بمعنى صدق به وذلك إذا عدي بالباء كما في قوله تعالى {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ...} الآية [28] أي صدق الرسول [29] .
ب- وبمعنى أقر له وذلك إذا عدي باللام كما في قوله تعالى {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} ، وقوله تعالى {فَآمَنَ لَهُ لُوط} [30] .
وقد اعترض السلف على حصر أهل اللغة لمعنى الإيمان بالتصديق فقط وقالوا:"إن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار [31] والطمأنينة أيضا" [32] واستدل السلف لقولهم بالأمور التالية:
أولا: إن الترداف التام ممتنع بين التصديق والإيمان من عدة وجوه، يوضحها الجدول التالي
الإيمان
التصديق
-إن كلمة آمن تتعدى بالباء وباللام وقد تقدم التمثيل لذلك.
-إن كلمة آمن تتضمن ثلاثة معان هي: الأمن، والتصديق، والأمانة.
-إن لفظ الإيمان لا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب لأن فيه أصل معنى الأمن والائتمان وهذا إنما يكون في الخبر عن الغائب، فلا يقال لمن قال طلعت الشمس آمنا له وإنما يقال صدقناه ولهذا لم يأت في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في الخبر عن الغائب.
-إن لفظ الإيمان ضده الكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب فقط بل هو أعم منه، إذ يمكن أن يكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب ومع ذلك يسمى كفرا كما لو قال شخص: أنا أعلم أنك صادق،ولكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك، فهذا كفر أعظم.
-أما كلمة"صدق"فلا تتعدى باللام فلا يقال"صدق له"إنما يقال"صدق به"فهي تتعدى بالباء وبنفسها فيقال صدقه.
-أما كلمة صدق فلا تتضمن معنى الأمن والأمانة.
-أما لفظ التصديق فيستعمل في كل مخبر عن مشاهد أو غيب، فمن قال السماء فوقنا، قيل له: صدقت.
-أما لفظ التصديق ضده التكذيب فقط.
وبهذا يتبين عدم الترداف التام بين اللفظين، وأن الإيمان ليس التصديق فقط [33] كما أن الكفر ليس التكذيب فقط.
ثانيا: من المعلوم أن كلام الله وشرعه إنما هو خبر وأمر.
فالخبر: يستوجب تصديق الخبر.
والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب، جماعه: الخضوع والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به.