فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد، فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو"الطمأنينة والإقرار"فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد. فلو فُسِّر الإيمان بالتصديق فقط، كما قال أهل اللغة، فإن التصديق إنما يعرض للجزء الأول من الشرع فقط الذي هو الخبر، ولا يعرض للجزء الثاني وهو الأمر، لأن الأمر ليس فيه تصديق من حيث هو أمر.
ومن المعلوم أن إبليس لم يكفر بسبب عدم تصديقه، فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولا، ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له، واستكبر عن الطاعة فصار كافرا، قال تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [34] فسماه الله كافرا وسلب عنه وصف الإيمان لاستكباره وعدم انقياده لأمرالله له بالسجود لآدم.
لازم القول بأن الإيمان مجرد التصديق فقط:
وهذا موضع زاغ فيه خلق من الخلف تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل إلا التصديق، ثم يرون مثل إبليس وفرعون مما لم يصدر عنه تكذيب أو صدر عنه تكذيب باللسان لا بالقلب وكفره من أغلظ الكفر فيتحيرون.
ومثل هؤلاء القوم لو أنهم هُدوا لما هُدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل أعني في الأصل قولا في القلب، وعملا في القلب، فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته- وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره- فيصدق القلب أخباره تصديقا يوجب حالا في القلب بحسب المصدق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنا إلا بمجموع الأمرين فمتى ترك الانقياد كان مستكبرا فصار من الكافرين وإن كان مصدقا، لأن الكفر أعم من التكذيب، فالكفر يكون تكذيبا وجهلا، ويكون استكبارا وظلما، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالا وهو"الجهل"ألا ترى أن نفرا من اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألوه عن أشياء، فأخبرهم، فقالوا: نشهد أنك نبي، ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره، فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق.
ألا ترى أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله، وقد تضمنت خبزا وأمرا، فإنه يحتاج إلى مقام ثان، وهو تصديق خبر الله وانقياده لأمر الله، فإذا قال:"أشهد أن لا إله إلا الله"فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره."وأشهد أن محمدا رسول الله"تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله.
فبمجموع هاتين الشمهادتين يتم الإقرار.
فلما كان التصديق لا بد منه في كلا الشهادتين- وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول- ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لا بد منه وهو الانقياد، وإلا فقد يصدق الرسول، ظاهرا وباطنا ثم يمتنع من الانقياد للأمر، إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه كإبليس" [35] ."
ثالثا: ما استدل به أهل اللغة على أن معنى الإيمان في قوله تعالى {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} هو التصديق غير مسلم.
إذ يرى علماء السلف أن تفسيرها بـ"أقررت"أقرب من تفسيرها بـ"صدقت"وذلك لأن لفظ"آمن"متى عُدّي باللام يكون بمعنى"أقر"وليس بمعنى"صدق"، إذ لا يكون بمعنى صدق الا إذا عُدّي بالباء أوبنفسه.
ب- المعنى الشرعي للإيمان:
تنوعت عبارات السلف في تعريف الإيمان:
أ- فتارة يقولون: الإيمان قول وعمل.
2-وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية.
3-وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية واتباع سنة [36] .
4-وتارة يقولون: الإيمان: قول اللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية [37] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية [38] بعد أن أورد التعريفات الثلاثة الأول:"وكل هذا صحيح" [39] وعلل ذلك بقوله [40] :
"فمن قال إن الإيمان قول وعمل فمرداه قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح".
وقول اللسان وعمل الجوارح معروفان.
وأما المقصود من قول القلب: فهو إقراره ومعرفته وتصديقه.
وأما عمله: فهو انقياده لما صدق به.
ومن عبر عن الإيمان بهذا التعريف ليس مراده كل قول أو عمل وإنما المراد ما كان مشروعا من الأقوال والأعمال.
كما أن تعبير بعض السلف بهذه العبارة في تعريف الإيمان إنما جاء في معرض الرد على المرجئة [41] الذين جعلوه قولا فقط، فقال بعض السلف ردا عليهم: بل قول وعمل [42] .
وأما من عرفه بقوله هو قول و عمل ونية، فمقصوده بزيادة لفظ"ونية": أن القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان.
وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك [43] .
وأما من عرفه بأنه قول وعمل ونية واتباع سنة، فقد زاد لفظة"واتباع سنة"لأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا باتباع السنة [44] .