ثم ذهب إلى الطائف ودعا أهلها إلى الإسلام ولكنهم لم يجيبوه لذلك، ثم عاد إلى مكة وأخذ يعرض دعوته على القبائل في الموسم إلى أن التقى بالخزرج وهم من أهل المدينة وعرض عليهم الإسلام فأسلموا وأسلم النجاشي من قبلهم وكان على النصرانية.
ومن هنا كانت بداية المرحلة الجديدة في الدعوة فبعد تمكن الإسلام بالمدينة، هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إليها فاتسع بذلك نطاق الدعوة حتى شمل أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا بالمدينة حواليها حينئذ، كما تنوعت كذلك أساليب الدعوة إلى هذا الدين فشرع الجهاد في سبيل الله واتسعت رقعة الدعوة فشملت قبائل العرب ومن كان في جزيرة العرب من أهل الكتاب كيهود المدينة وخيبر ونصارى نجران واليمن وغيرهم، واستمر التدرج إلى أن كان عام الحديبية ومهادنة قريش فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت إلى جميع الطوائف يدعوهم إلى الإسلام.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى [112] .
ثم جاءت بعد هذه المرحلة مرحلة أخرى حيث بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بغزو النصارى فأرسل جيشا بقيادة زيد بن حارثة فقاتلوا النصارى بمؤتة من أرض الكرك [113] ثم غزاهم بنفسه وأمر جميع المسلمين أن يخرجوا معه ولم يأذن بالتخلف لأحد، وغزا في عشرة آلاف في غزوة تبوك وأقام بها عشرين ليلة ليغزو النصارى عربهم وعجمهم، وأقام ينتظرهم ليقاتلهم فسمعوا به وأحجموا عن قتاله ولم يقدموا عليه.
ثم بعد ذلك جهز جيشا بقيادة أسامة بن زيد [114] ولكنه صلى الله عليه وسلم لحق بالرفيق الأعلى قبل أن يخرج الجيش، فأوصى وهو في سكرات الموت بإرسال هذا الجيش فقال:"أنفذوا بعث أسامة".
ولقد سار أصحابه رضوان الله عليهم من بعده على نهجه واستنوا بسنته حتى فتح الله عليهم بلاد فارس والروم وغيرها فانتشر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا.
والشاهد من هذا كله أن سيرته صلى الله عليه وسلم هي مثال تطبيقي عملي على شمول دعوته وعالمية رسالته التي من أجلها كرس النبي صلى الله عليه وسلم حياته لكي ينشرها ويبلغها للناس كافة، لتقوم بذلك الحجة على الناس أجمعين.
وما ذكرته ههنا ليس إلا إشارات سريعة فمن أراد الاستزادة فعليه بكتب الحديث والسيرة ففيها الغنية بإذن الله.
المطلب الثالث: دليل الإجماع على عموم رسالته.
إن الإجماع منعقد من أئمة المسلمين وعامتهم على أن محمدا صلى الله عليه وسلم أرسل إلى جميع الأمم - أهل الكتاب وغير أهل الكتاب [115] - فإن الذي يدين به المسلمون هو أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث رسولا إلى الثقلين الإنس والجن، أهل الكتاب وغيرهم، وأن من لم يؤمن به فهو كافر مستحق لعذاب الله، مستحق للجهاد، وهو مما أجمع أهل الإيمان بالله ورسوله عليه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي جاء بذلك وذكره الله في كتابه، وبينه النبي أيضا في سنته.
وهذا الإجماع تواترت في نقله كتب أهل العلم وهو منقول عندهم نقلا متواترا يعلمونه بالضرورة. وكتب التوحيد السنة مليئة بهذا.
وبما تقدم إيراده من الأدلة والنصوص يعلم ثبوت عموم رسالته وشمولها كما يعلم كذلك انتفاء كل دعوى تخالف هذا الأمر أو تطعن فيه كدعوى أنه رسول للعرب خاصة، أو دعوى أن رسالته ليست ناسخة لما قبلها من الرسالات وأنه يسع الناس التدين بما جاء في قبله من الرسالات.
فنصوص القرآن والسنة والإجماع ترد هذه الدعاوى وتفندها وتبطلها. وبالنسبة إلى ما تعلق به أصحاب هذه الأقوال من شبه ظنوها أدلة لهم، فإنما مردها إلى سوء فهمهم وجهلهم بمعاني النصوص التي أوردوها وكما قيل:
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم [116]
ولا يتسع المجال هنا لإيراد تلك الشبه وتفنيدها [117] كما أن معرفة الحق تغني وكما قيل: بضدها تتميز الأشياء.
وإن الواجب على كل مسلم اعتقاد عموم رسالته وشموليتها وعالميتها لجميع المكلفين وإنه لا يسع أحدا الخروج عنها أو أن يدين لله بغيرها.
كما أنه لا يسع المسلم أن يجهل مثل هذا الأمر لأنه من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، ومن الواجب عليه كذلك أن يرد على كل من يطعن في هذا الأمر أو يشكك فيه سواء ممن ينتسبون إلى الإسلام أو من غيرهم، وبالخصوص أننا أصبحنا في زمان ظهرت فيه الدعوة إلى وحدة الأديان وتقاربها بدعوى أنها جميعا تدعو إلى عبادة إله واحد وأن مصدرها واحد إلى غير ذلك من الأمور التي يروج لها أصحاب هذه الدعوة والتي لا تنطلي إلا على ساذج لا يعي الأمور الضرورية من دينه.
المبحث الرابع: وجوب الإيمان بأنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين.
تمهيد
من الخصائص التي خص الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم ورسالته جعله خاتم النبيين وجعل رسالته خاتمة الرسالات، فانفرد صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر وبغيره عن إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فأصبح ختم النبوة من خصائصة صلى الله عليه وسلم.