ولذا فإن من حقه صلى الله عليه وسلم على كل من يؤمن له، أن يعتقد بهذا الأمر، يؤمن به"لثبوته بنصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة، بل هو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة التي لا يعذر المسلم بجهلها ولمزيد من البيان لهذه الخاصية والحق الواجب له صلى الله عليه وسلم، سوف أتحدث في هذا المبحث عن الجوانب التالية:"
المطلب الأول: معنى ختم النبوة:
أ- معنى الختم في اللغة:
الختم في اللغة ورد لعدة معان هي:
1-الطبع:
قال صاحب المحكم:"ختمه، يختمه، ختما: طبعه" [118]
وقد ذكر هذا صاحب اللسان [119] والقاموس المحيط [120] .
وفى تاج العروس:"معنى ختم وطبع واحد في اللغة" [121] .
2-تغطية الشيء والاستيثاق منه بحيث لا يدخله شيء ولا يخرج منه شيء:
قال صاحب المحكم:"والختم على القلب ألا يفهم شيئا ولا يخرج منه شيء كأنه طبع. ومعنى ختم وطبع في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء والاستيثاق من أن لا يدخله شيء كما قال عز وجل: {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [122] " [123] ، وذكر هذا صاحب اللسان [124] وصاحب تاج العروس [125] .
3-آخر الشيء ونهايته:
قال صاحب المحكم:"وختم الشيء يختمه: ختما بلغ آخره، وخاتم كل شيء: عاقبته وآخرته، وختام كل مشروب آخره، وفرض التنزيل {خِتَامُهُ مِسْكٌ} [126] أي آخره، وختام القوم وخاتمهم آخرهم... وفي التنزيل {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [127] أي آخرهم" [128] .
وقال صاحب المفردات في معرض كلامه عن الصور التي يرد بها لفظ الختم:"وتارة يعتبر منه بلوغ الآخر ومنه قيل: ختمت القرآن أي انتهيت إلى آخره ... إلى أن قال:"وخاتم النبيين لأنه ختم النبوة، أي تممها بمجيئه صلى الله عليه وسلم" [129] . وقال صاحب القاموس:"والخاتم من كل، شيء: عاقبته وآخرته، وآخر القوم كالخاتم" [130] ."
"هذه هي المعاني اللغوية لفعل"الختم"واسم فاعله"خاتم"كما أوردها أعلام اللغة في مصنفاتهم عن العرب، وهي مع تعددها وتعدد ألفاظها المعبرة عنها والتي هي: الطبع على الشيء وإنهاؤه وتغطيته وآخر القوم وعاقبة الأمر، هي مع ذلك كله تتمشى مع دلالة قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} على أن النبوة قد طبع عليها فلا تفتح، وأنها قد انتهت وسدت بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنه آخر الأنبياء وشرعه آخر الشرائع وعاقبتها" [131] .
ب- معنى ختم النبوة:
تقدم معرفة معنى الختم في اللغة، وتقدم أيضا معرفة معنى النبوة في المبحث الثاني من هذا الفصل.
"فإذا ما ركبا في جملة واحدة هي"ختم النبوة"فإنه يكون معناها"انتهاء إنباء الله للناس وانقطاع وحي السماء" [132] ."
المطلب الثاني: الأدلة من القرآن الكريم على ختم النبوة.
أ- آية الختم:
قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} .
والآية نص صريح واضح على ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم وكونه خاتم الأنبياء وآخرهم مبعثا فلا نبي بعده ولا رسول.
وقد سبق الربط بين دلالة الآية والمعنى اللغوي لكلمة"ختم".
وتتميما للفائدة سأعرض بعض ما ذكره علماء التفسير عند تفسير هذه الآية.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله:"يقول تعالى ذكره ما كان أيها الناس محمد أبا زيد بن حارثة [133] ولا أبا أحد من رجالكم، الذين لم يلده محمد، فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها، ولكنه رسول الله وخاتم النبيين الذي ختم النبوة فطبع عليها فلا تفتح لأحد من بعده إلى قيام الساعة، وكان الله بكل شيء من أعمالكم ومقالكم وغير ذلك ذا علم لا يخفى عليه شيء" [134] .
وقال ابن كثير رحمه الله:"فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بالطريق الأولى والأحرى لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فكل رسول نبي ولا ينعكس، بذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم... إلى أن قال: فمن رحمة الله بالعباد إرسال محمد صلى الله عليه وسلم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له."
وقد أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل" [135] "
وأقوال المفسرين عموما متفقة على أن المراد من الآية هو ختم النبوة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء مبعثا، ولم ينقل عن أحد من أهل التفسير خلاف ذلك.
وقد تعرض أهل التفسير للقراءات الواردة في قوله"خاتم"من هذه الآية فذكروا أن فيها قراءتين:
الأولى: قراءة الكسر"خاتِم":