وعن ابن أبي أوفى [168] رضي الله عنه لما سئل عن إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"مات صغيرا، ولو قضى أن يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي عاش ابنه ولكن لا نبي بعده" [169] .
وعن أنس رضي الله عنه قال:"كان إبراهيم - يعني ابن النبي صلى الله عليه وسلم - قد ملأ الأرض، ولو بقي لكان نبيا ولكن لم يبق إلا نبيكم آخر الأنبياء" [170] .
المطلب الخامس: إجماع الأمة
تلقت الأمة النصوص الواردة في الكتاب والسنة بشأن ختم النبوة بالقبول التام فحصل بهذا إجماعها على كون النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا نبي ولا رسول بعده، ورسالته هي خاتمة الرسالات وآخرها.
وقد نقل هذا الإجماع غير واحد من العلماء، أذكر على سبيل المثال قول بعض منهم:
قال ابن عطية [171] في معرض كلامه على آية الختم:"وهذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفا وسلفا متلقاة على العموم التام مقتضية نصا أنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم" [172] .
وقال القاضي عياض [173] :"أخبر صلى الله عليه وسلم أنه خاتم النبيين لا نبي بعده، وأخبر عن الله تعالى أنه خاتم النبيين، وأنه أرسل كافة لله للناس وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره، وأن مفهومه المراد منه دون تأويل ولا تخصيص" [174] .
قال الألوسى [175] :"وكونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين مما نطق به الكتاب، وصدعت به السنة، وأجمعت عليه الأمة، فيكفر مدعي خلافه ويقتل إن أصر" [176] .
ولقد تكلم علماء الأمة على تقرير هذه المسألة وأقوالهم محفوظة في ذلك، فإن شئت فارجع إلى كتب التفسير عند تفسير قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} ، وارجع كذلك إلى كتب العقيدة فقل أن يخلو كتاب من الحديث في هذا الأمر وتقريره بما ورد في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ومن بعدهم من علماء الأمة.
وبما تقدم من أدلة على تقرير ختم النبوة فإنه يجب على كل من يؤمن بالله ورسوله أن يؤمن بهذا الأمر ويعتقده.
المبحث الخامس: وجوب الإيمان بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ الرسالة وأكملها:
من تمام نعمة الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة أن أكمل لهم دينهم فلا ينقصه أبدا، ولا يحتاج إلى زيادة أبدا، واقترن هذا الإكمال برضاه سبحانه بأن يكون هذا الدين الكامل دينا نتعبده به، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} .
وهذه الآية دليل على كمال الدين وحيا من الله، وتبليغا من رسوله صلى الله عليه وسلم، ولقد نزلت هذه الآية الكريمة والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات في حجة الوداع، وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزولها إحدى وثمانين ليلة.
وهي شهادة من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم على تبليغه لما أرسله به أتم تبليغ وأكمله وبذلك جعله الله خاتم النبيين، لأن الخلق بعد هذا لن يحتاجوا إلى نبي غير نبيهم صلى الله عليه وسلم ليكمل لهم دينهم، كما أنهم لا يحتاجون إلى دين آخر وذلك لكمال دينهم.
ووجه الدلالة من الآية على ذلك"أن الله أخبر في هذه الآية بأنه قد أكمل الدين، وإنما كمل بما بلغه، إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه، فعلم من ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده" [177] .
وما كان من النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية الكريمة إلا أن استشهد الناس على ذلك في نفس المناسبة التي نزلت فيها الآية.
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟".
قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس:"اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات..."الحديث [178] .
فشهد له خير قرون هذه الأمة وهم صحابته رضوان الله عليهم وكانوا في ذلك الموقف نحوا من أربعين ألفا [179] .
ولقد أمر الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في مواطن متعددة من كتابه العزيز بأن يبلغ أمور هذا الدين البلاغ المبين الواضح فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [180] ، وقال تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [181] ، وقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [182] ، وقال تعالى: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ} [183] .