فهرس الكتاب
2-وقال بعضهم معنى (ضالا) لم تكن تدري ما القرآن والشرائع فهداك الله إلى القرآن وشرائع الإسلام، وهو بمعنى قوله تعالى: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ} وعلى هذا التفسير يكون المعنى: أي وجدك ضالا عن شريعتك التي أوحاها إليك لا تعرفها قبل الوحي إليك، فهداك إليها [251] .
3-وقال بعضهم معنى الآية أي وجدك في قوم ضلال فهداهم الله بك [252] .
4-وقال بعضهم الضلال بمعنى الطلب أي وجدك طالبا للقبلة فهداك إليها [253] كما في قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [254] .
ولقد أورد العلماء عددا من المعاني لهذه الآية منها ما هو معنوي ومنها ما هو حسي وهي معان كلها حسان [255] .
ج- ومن النصوص كذلك قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [256] .
فليس المقصود بالغفلة هنا الشرك والغواية إنما المقصود منها الغفلة عن قصة يوسف مع الله وإخوته كما يوضح ذلك سياق الآية. فهذه القصة وأمثالها لا تعلم إلا من الوحي فلهذا لا يلحقه نقص بسببها.
وهذا هو ما ذكره علماء التفسير عند هذه الآية.
قال القرطبي:"أي من الغافلين عما عرفناكه" [257] . وقال الشوكاني:"والمعنى أنك من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عن هذه القصة" [258] .
د- ومن تلك النصوص ما رواه عثمان بن أبي شيبة [259] بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين من خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلفه، فقال الآخر: كيف نقوم خلفه وإنما عهده باستلام الأصنام، فلم يعد بعد ذلك يشهد مع المشركين مشاهدهم" [260] .
والمنكر من هذا الحديث قوله عن الملك:"عهده باستلام الأصنام"والجواب عن هذا الحديث ذو شقين هما:
أولا: الكلام على سند الحديث:
تكلم العلماء على سند الحديث وأوردوا عللا منها:
ا- أن عثمان بن أبي شيبة لم يتابع عليه [261] .
ولكن الذهبي [262] أجاب عن هذا بقوله:"عثمان لا يحتاج إلى متابع ولا ينكر له أن ينفرد بأحاديث لسعة ما روى، وقد يغلط، وقد اعتمده الشيخان في صحيحيهما..." [263] .
2-قال الدارقطني [264] :"يقال إن عثمان بن أبي شيبة وهم في إسناده، وغيره يرويه عن جرير [265] عن سفيان بن عبد الله [266] بن محمد بن زياد بن جدير مرسلا وهو الصواب [267] ."
ومن كلام الدارقطني نتبين لنا علتان:
أ- أن الحديث مرسل وليس متصلا.
ب- جعله لسفيان الثوري [268] مكان سفيان بن عبد الله وهذا وهم في السند فسفيان بن عبد الله مجهول، وأما الثوري فهو ثقة [269] .
3-أن في سند عثمان بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن عقيل [270] وهو ضعيف عند القوم [271] .
وبهذا يتبين ضعف إسناد الحديث.
ثانيا: الكلام على متن الحديث
بالإضافة إلى ضعف هذا الحديث الذي لا تقوم به حجة فإن ظاهر اللقظ وهو قوله إنما عهده باستلام الأصنام يخالف ما عرف عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه لم يكن على شيء مما كان عليه أهل مكة من الشرك وذلك منذ ولادته إلى أن بعثه الله رسولا نبيا ليدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك ما يعبد من دونه. ولقد سبق إيراد الأدلة على ذلك فليرجع إليها.
وقد ذكر بعض العلماء: أن ظاهر الحديث ليس مرادا، فليس المقصود أنه باشر الاستلام، وإنما المقصود أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم [272] .
الشق الثاني: عصمته صلى الله عليه وسلم من الكفر والشرك بعد النبوة:
بعث الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ليدعو الناس إلى عبادة الله وحده وترك ما هم فيه من الكفر والشرك.
ولقد كان صلى الله عليه وسلم في تطبيق ما أمر به هو المثل الأعلى الذي يحتذى به. قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [273] .
فهو منزه عن كل ضلال وغواية كما أخبر الله بذلك في كتابه العزيز {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [274] فهذه شهادة للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه راشد تابع للحق ليس بضال ولا غاو، بل هو صلوات الله وسلامه عليه في غاية من الاستقامة والاعتدال والسداد والهداية.
وإجماع الأمة منعقد على ذلك قال الرازي [275] :"واجتمعت الأمة على أن الأنبياء معصومون عن الكفر والبدعة" [276] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله تعالى فهم متفقون على تنزيههم عنه" [277] .
وقال الآمدي [278] :"فما كان منها كفرا فلا نعرف خلافا بين أهل الشرائع في عصمتهم عنه" [279] .
ولم يخالف هذا الإجماع إلا من لا يعتد بخلافهم [280] .
والمعلوم من خلال سيرته صلى الله عليه وسلم أنه كان حربا على الكفر والشرك على